السنّة بين العزوف والتردد: نواف سلام الخيار الأمثل

لا يزال الضياع يخيّم على البيئة السنّية على مشارف الانتخابات النيابية، إذا حصلت. وقد حصلت تطورات عدة منذ مدة، لا بد من التوقف عندها، وتجلت بعزوف الرئيس سعد الحريري عن الترشح وتعليق عمله السياسي.

انسحاب وتردد وشلل؟
بداية، لا قناعة لدى الحريري ونوابه ولا بيئته بقرار عزوفه. لذلك، هناك مساع كثيرة مستمرة من المحسوبين عليه للعمل والترشح وقطع الطريق على الآخرين، ولو كانوا من صقور المستقبل السابقين، لسدّ الفراغ في هذه المرحلة. ولذلك تشهد بيروت وطرابلس، حال تشتت واسعة المدى، وحال تردد الشخصيات الأساسية التي لديها قواعد شعبية.

ولا بد من تسجيل جملة ملاحظات على مواقف حصلت. أولها قرار الرئيس تمام سلام العزوف عن الترشح، وهو كان يعلم أن الحريري سيعلن عزوفه. وأتى بعده إعلان الحريري عن تعليق عمله السياسي، وعدم ترشح أي شخص باسم تيار المستقبل. وتوالت مواقف العزوف لاحقاً: نهاد المشنوق، ونواب في كتلة المستقبل، معتبرين أنهم لن يترشحوا طالما الحريري غير مرشح. ثم جاء بيان دار الفتوى الذي أعلن أن لا المفتي عبد اللطيف دريان ولا المجلس الشرعي يتدخلون في السياسة ولا في الانتخابات أو الترشيحات.

وهذا لا ينفصل عن التردد القائم لدى السفير نواف سلام حتى الآن، بسبب عدم توفر مقومات مشروع سياسي واضح. والرئيس فؤاد السنيورة بدوره متردد، ويسعى إلى بلورة موقف جامع عابر للمناطق. ولذلك يعقد الأربعاء مؤتمراً صحافياً لرسم ملامح سياسية واسعة، ورصد ردود الفعل عليها، ليتخذ القرار النهائي في ما بعد.

وثمة أسئلة كثير تُطرح حول سبب تردد الجميع. صحيح أن الاندفاع غير المحسوب ليس مطلوباً، فيما شخصيات هزيلة أو “خفيفة” تطرح نفسها بدافع الحماسة، معتبرة أنها قادرة على أن تكون الوريث أو تسد الفراغ. ولكن يجب ألا يؤدي هذا التردد إلى شلل يحول دون تشكيل جبهة سياسية.

إضعاف السنة
والسؤال الثاني يتعلق بما إذا كان هناك تناغم ما خفي وغير ظاهر يتعلق بإعلانات العزوف هذه وعدم التدخل. فهل ذلك ينطوي على غياب الغطاء الخارجي، أم على عدم الاهتمام؟ أم أن سببه الضياع والصراعات الشخصية والأحقاد؟ أم قرارات منسّقة هدفها العزوف الكلي والكامل لإسقاط البلد كله في يد حزب الله؟

هناك أكثر من جواب على هذه التساؤلات. لبنان اليوم أمام وقائع ومتغيرات كثيرة، تبدأ من طريقة انسحاب سعد الحريري من الانتخابات وتعليق عمله السياسي، علماً أنه كان قد أعلن سابقاً بأنه “أب السنّة”. فطريقة انسحابه، وعدم الاتفاق على تشكيل جسم بديل أو كيان جامع للشخصيات السنية في لبنان، وإطلاق مشروع سياسي، أدت إلى حصول تداعيات عدة، إضافة إلى استمرار الصراع والتنافس بين من كانوا ذات يوم أبناء المشروع الواحد والكتلة الواحدة. وهناك محاولات “تشجيع” لهم كي يستمروا في الصراع والشقاق في ما بينهم.

وحتى لو لم يكن بينهم تنسيق حول العزوف، لترك البلد يسقط في يد حزب الله انتخابياً، فإن خلافاتهم تؤدي إلى النتيجة نفسها. وحينها يقول الحريري إنه المرشح الوحيد الذي كان قادراً على تمثيل السنة وتشكيل السدّ. وقد يقول أيضاً إن البديل عنه هم حلفاء حزب الله أو الجماعات الإسلامية. وهذا مسار سياسي يؤدي إلى إضعاف السنّة في الميزان الداخلي، وإضعاف دورهم وتأثيرهم.

آثار مركزية الحريرية
لا يمكن النظر إلى الوضع السنّي اليوم، من دون العودة إلى الواقع السنّي منذ أكثر من عقدين، وتحديداً في مرحلة رفيق الحريري. صحيح أن دور رفيق الحريري وانتشاره وقوته أدت إلى إضعاف الشخصيات السنية الأخرى والمناطقية، وإن حافظت على بعض من وجودها. والاستحقاقات الانتخابية بعد اغتيال الحريري، أنتجت شخصيات نيابية لا تتمتع بقواعد شعبية منفصلة عن قواعد تيار المستقبل.

أما اليوم، فهناك حضور لشخصيات سياسية خارجة من بيوت سياسية تقليدية في المناطق، كعكار وبيروت وطرابلس وغيرها. وتهدف إلى عقد تحالفات مناطقية ومحلية. وهنا يعود الفصل بين الأرياف والمدن. فالشخصيات الريفية قادرة على التحرك بسهولة، فيما المشكلة الأكبر في المدن الكبرى، وتحديداً في بيروت التي تشهد ضياعاً كبيراً حتى الآن.

والحملة التي يشنها تيار المستقبل وجمهوره على كل الشخصيات التي كانت سابقاً منضوية تحت رايته، تؤدي إلى التردد كثيراً لدى الشخصيات الأساسية والبارزة. لذا تغيب الشخصيات القادرة على تحفيز الناس على المشاركة، ويحجم الناخبون. وهناك أيضاً إظهار قوة اصطناعية واستثنائية ومضخمة لحزب الله في بيروت والمناطق السنية الأخرى، أو تكبير حجم حلفائه كالأحباش أو غيرهم. والجماعة الإسلامية بدورها تحاول أن تلعب دوراً، وتبحث عن فرصتها لاستعادة تمثيلها النيابي. وتغيب الشخصيات المستقلة القادرة على التآلف في ما بينها، لتشكيل لائحة أو تجمع قادر على سدّ الفراغ.

وهذا يقود إلى فتح الطريق أمام رجال أعمال للعب دور ما، خصوصاً إذا استند هؤلاء على دعم غير ظاهر من الحريري. وهذا يؤدي إلى تتفيه الحياة السياسية أكثر في العاصمة، ويؤدي إلى المزيد من التهافت السياسي السنّي على الساحة اللبنانية. ويستفيد حزب الله وحلفاؤه من ذلك، وكذلك شخصيات متمولة لا علاقة لها بالسياسة ولا بالمشروع السياسي. وهذا يحول الشخصيات السنّية إلى مقاولين صغار كل في منطقته، وتسعى الرعية خلفهم، إما بسبب الفراغ وإما بدافع البحث عن حاجة وتوسّلها.

نواف سلام
بهذه الخيارات المتضاربة والمتناقضة، وفي ظل حروب النحر الشخصية، يحوّل السنّة أنفسهم إلى غائبين عن التأثير والقرار، أو يغرقون في حملات ركيكة ضد بعضهم البعض، كأن يُلام السنيورة على اهتمامه ببيروت مثلاً بدلاً من صيدا! وهذا يندرج في خانة تصغير السنّة أكثر، وتضييق آفاقهم لأخذهم فرادى ومشتتين مناطقياً.
أمام هذا الضياع، وقناعة الجميع بإنه لا بد من تشكيل جبهة سياسية لها امتدادتها الوطنية والعربية، فقد يصل الجميع إلى خيار واحد، وهو الالتفاف حول نواف سلام لجعله الخيار الأمثل، وتوفير كل مقومات خوض المعركة له، والتأسيس لمرحلة سياسية جديدة تبدأ من الإنتخابات وتستمر بعدها. فسلام يمثل حضوراً بيروتياً سياسياً ومقبول شعبياً من قبل أنصار ثورة 17 تشرين، وبه يكون خيار الالتفاف على صراع الأحقاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.