بحجة الكهرباء: خدعة لسحب مئات ملايين الدولارت من “المركزي

تطلب وزارة الطاقة من مصرف لبنان بين 100 إلى 150 مليون دولار شهرياً

خضر حسان – المدن
اعتادت وزارة الطاقة تأمين الفيول لمعامل مؤسسة كهرباء لبنان، عن طريق سلفات الخزينة التي تُقَرّ بعد وضع اللبنانيين أمام خيارين، إما العتمة أو تأمين كلفة الفيول من الخزينة. وبالتأكيد، لم تَرُد المؤسسة قرشاً واحداً من قيمة السلفات المتكرّرة التي يحوّلها مصرف لبنان من ليرة إلى دولار، وفق السعر الرسمي.
ولأن لكلّ مرحلة مستجدّاتها، تبتزّ الوزارة الناس بوعدِ تأمين كهرباء أرخص من التي تقدّمها المولّدات الخاصة، كما وبإجراء مناقصة شراء الفيول لمعامل الإنتاج، عبر هيئة الشراء العام.

سَحب الدولارات
مع انهيار سعر صرف الليرة وتغيُّر معيار قياس عملية تحويل السلفة من ليرة إلى دولار. ومع تبديد مصرف لبنان لدولاراته عبر تمويل الدعم على مدى 3 سنوات، تحاول وزارة الطاقة سحب مئات ملايين الدولارات من خزانة المصرف المركزي، بغية تنفيذ ما يُسمّى بخطة الطوارىء لقطاع الكهرباء، والتي تهدف إلى تأمين بين 8 إلى 10 ساعات من التغذية، وفق ما يفترضه وزير الطاقة وليد فيّاض.

ولإنجاح الخطة، تطلب وزارة الطاقة بين 100 إلى 150 مليون دولار شهرياً، لنحو 5 إلى 6 أشهر. ويؤمّن مصرف لبنان تلك الدولارات على سعر منصة صيرفة. وقد حَصَل فيّاض، يوم أمس الاثنين، على ضوء أخضر من رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، الذي قال لفيّاض بأن “الموضوع مُسَهَّل”، في إشارة إلى بحث الملف تمهيداً لتأمين التغطية السياسية له.خدعة للتعمية
لتبسيط المعضلة والتغطية على الهدف الرئيسي لهذا الاقتراح، يؤكّد فيّاض أن الكهرباء المُنتَجة بالدولارات الجديدة، ستكون أرخص من كهرباء المولّدات الخاصة، ومناقصة شراء الفيول ستجريها المديرية العامة للنفط بالتعاون مع هيئة الشراء العام، التزاماً بالقانون. والتلويح بالرخص والقوننة، ليس إلاّ خدعة وابتزاز إضافي. فحسب المدير العام السابق للاستثمار في وزارة الطاقة، غسان بيضون، لا يمكن مقارنة أسعار كهرباء الدولة بكهرباء المولدات، لأن “طريقة الانتاج وتحديد عناصر التعرفة مختلفة بين الطرفين. فضلاً عن اختلاف نوع الفيول والمولّدات”. وبرأي بيضون، على المؤسسة “تحديد عناصر كلفة إنتاجها بمعزل عن أي قطاع آخر، وخصوصاً المولّدات الخاصة. فهل مؤسسة كهرباء لبنان تضع نفسها في منافسة مع المولّدات، كي تقارن نفسها بها؟”. ويصرّ بيضون في حديث لـ”المدن”، على أن تتّجه المؤسسة نحو “إجراء دراسة حقيقية جدية لتحديد كلفة الفيول وقدرتها على استردادها عبر الجباية. كما على الكلفة أن تكون عادلة بالنسبة للمواطنين”.

للمفارقة، تريد وزارة الطاقة الالتزام بقانون الشراء العام، وهي التي تجاهلت لسنوات وجوب إجراء مناقصات شراء الفيول عبر إدارة المناقصات في التفتيش المركزي. ومع ذلك لا ترتبط قانونية المناقصة برُخص عملية شراء الفيول وإنتاج الكهرباء بسعر أقل “فعملية الشراء مكوّنة من عدّة عناصر، منها عناصر متحرّكة مثل أجرة النقل وكلفة التأمين، وهما كلفتان مرتبطتان بالسعر العالمي، وقد تتحركان صعوداً في أي وقت، مما يرفع كلفة الفيول”.

تعويم مؤسسة مفلسة
مئات ملايين الدولارت ستُسحَب من موجودات مصرف لبنان الذي يحاول التخلّص من استنزاف تمويل الدولة لدولاراته. والوزارة تريد إقناع الجمهور بأنها ستُعيد الدولارات من خلال الأموال المجباة بواسطة الفواتير. وهنا لا يمكن الاعتماد على الجباية، حتّى وإن طبقت التعرفة الجديدة. فمؤسسة الكهرباء لا تضمن التزام كل المشتركين بالدفع. فضلاً عن عدم حل مشكلة الهدر الفني وغير الفني، مما يحدَ من انتاج الكهرباء وإيصالها إلى الجمهور وفق ما يُرَوَّج له.ولأن عجز المؤسسة عن ردّ الأموال وتحسين الإنتاج والتوزيع، لا يُعالَج بسُلَفٍ جديدة وعناوين منمّقة، تعمد الوزارة إلى “افتعال ضبابية وهمروجة للتغطية على الهدف الحقيقي لطلب الدولارات، وهو تعويم المؤسسة المفلسة التي تحتاج الأموال لتسديد متوجباتها للمتعهّدين وشركات مقدمي الخدمات وتسديد ثمن قطع الغيار ودفع رواتب الموظفين.. وغيرها من الأكلاف التي يستحيل تغطيتها من التعرفة فقط”.
علماً أن تعويم المؤسسة لا يعني بالضرورة انتشالها من عجزها ووضعها على الطريق الصحيح، بل يقصد به تلميع صورتها وتمكينها من استئناف دورها في تمرير الصفقات، على غرار مشروع مقدمي الخدمات وبواخر الطاقة وجيوش المتعهّدين ومقدّمي اليد العاملة.. وما إلى ذلك من بِدَع. فلو كان المقصد إصلاح القطاع، لكان على رأس الخطوات، تشكيل مجلس إدارة جديد وتعيين مدراء على رأس إداراتهم الشاغرة.