بين الحكومة والقاضية عون: الكرة عند المدعي العام التمييزي

عمّار نعمة-“اللواء”

مع اشتداد الكباش السياسي – القضائي على خلفية القرارات المتتالية للنائبة العامة الإستئنافية في جبل لبنان القاضية غادة عون المتعلقة بحاكم مصرف لبنان رياض سلامة وشقيقه رجا، وبعد الكلام التصعيدي بدوره لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي خلال جلسة الحكومة السبت الماضي، تُطرح الأسئلة حول ماهية الخيارات القضائية التي من الممكن لها إيجاد مخرج للقضية.

بغض النظر عن الطابع السياسي للأزمة ومدى التجاذب الحاصل بين داعم لعون في مسارها ومعارض شرس لها، يعود الخبير الدستوري والقانوني الدكتور عادل يمّين، الى أساس الأزمة مُقدماً مجموعة من المبادىء القانونية التي تحكم الأزمة قبل استخلاص رؤية الخروج من الإرباك الحاصل.

عودة إلى البدايات
في مستهل استفحال الأزمة، وفي ظل الشح في توافر السيولة، لم تقم المصارف إما عن اضطرار أو قصد، بتسليم الودائع الى المودعين وكانت النتيجة ان بعض المودعين وعن حق، حمّل المصارف المسؤولية منطلقاً من عقد وديعة مع المصرف يُلزِمه اعادتها كاملة وبقيمتها الفعلية.
فالمودع، حسب يمّين، ليس هو المسؤول عن كيفية توظيف المصرف للأموال، وإذا كانت المصارف أخذت مخاطر عالية بتوظيف قسم كبير من استثماراتها لدى الدولة او مصرف لبنان وهي على علم بالمخاطر، فهي تتحمل المسؤولية لأنه أمر يخالف الاعراف في العمل المصرفي والضوابط القانونية التي تلزمها عدم الدخول بمخطار كبيرة تعرض الأموال للخطر.
هذا الأمر يعني كمبدأ أول ان من حق المودع اللجوء الى القضاء للمطالبة بحقه عبر حق التقاضي وهو من صلب الاعلان العالمي لحقوق الانسان ومن صلب القانون اللبناني ولا يجوز منع أحد من اللجوء الى القضاء.
المبدأ الثاني هو أن القضاة مستقلون بممارسة الوظيفة القضائية على ما تنص عليه المادة 20 من الدستور ومقدمته، وبالتالي لا دور لمجلس الوزراء في لجم أو منع او مراجعة القضاء عندما يقوم بواجباته، مع ضرورة تفهم امكانية تعدد الاجتهادات في مقاربة المسائل القانونية لدى القضاء كون ذلك من سمة العمل القضائي.

الكابيتول كونترول» هو الضابط
أما عن خيارات مجلس الوزراء ففي إمكانه أن يضع مشروع قانون «الكابيتول كونترول» ويحيله الى مجلس النواب، كما في إمكان أي نائب في المجلس النيابي ان يتقدم بمثل هذا الاقتراح، ويمكن نقاش الاقتراحات التي قد تكون موجودة في ادراج المجلس النيابي حول ذلك لأن من شأن وضع قانون ان يضبط التحويلات وان يعالج المشكلة المستجدة منذ احتجاجات 17 تشرين 2019 والمتعلقة بالسيولة من خلال وضع ضوابط على السحوبات والتحويلات تكون ملزمة للمودع وللمصرف وللقضاء في احكامه.

فوق ذلك فإن مواجهة المشكلة تستدعي الإسراع في اقرار قانون استعادة الاموال المحولة الى الخارج التي تغطي نسبة كبيرة من أموال المودعين، كما يقتضي الأمر الإسراع في التفاوض مع «صندوق النقد الدولي» وإقرار خطة التعافي الاقتصادي والمالي التي يفترض ان تتضمن خطة الخروج من الأزمة المالية والنقدية والاقتصادية والمصرفية، فضلا عن ضرورة الاسراع في اعمال التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان وكل الادارات والوزارات ما من شأنه أن يساهم في اظهار المسؤوليات ونسبها.

بين واجبات الحكومة ومجلس النواب
يوضح يمّين بأن الجوانب المتعلقة بالحكومة تتعلق مثلا بإقرار خطة التعافي التي قد تحتاج الى مصادقة من المجلس اذا تطلبت برامج طويلة المدى، كما ان التفاوض مع صندوق النقد هو من اختصاص رئيس الجمهورية، لذلك هناك وفد تفاوضي على تواصل مع رئيسي الجمهورية والحكومة، وكونه يرتبط بتدابير على الحكومة ان تتممها لذلك يجب ان تسرع الحكومة في اتخاذ المواقف اللازمة المتصلة بموضوع التفاوض بغرض تسريعه.

كما يوضح هنا بأن مشروع «الكابيتال كونترول» ممكن ان يأتي من قبل احد النواب أو اكثر لغاية عشرة، علما أن ثمة اقتراحات موجودة لا نعرف مصيرها، ولكن يمكن للحكومة ان تقدم مشروعا على هذا الصعيد على ان يتحول بمرسوم جمهوري الى مجلس النواب ويمكن ان يُعطى هذا المشروع صفة المعجل المكرر للاسراع في اقراره.
بالنسبة الى المجلس فهو مسؤول عن اقرار قانون الاموال المحولة الى الخارج وقد قدم «تكتل لبنان القوي» قانونا لم يُقر حتى الآن، مثلما أن المجلس مسؤول عن اقرار «الكابيتال كونترول» الذي كان يجب أن يُقر منذ اليوم الثاني لاحتجاجات 17 تشرين واقفال المصارف، لكي تنتهي الدعاوى القضائية ولكي يحدد سقف السحوبات والتحويلات ويوقف الاستنسابية للتعامل مع المودعين من قبل المصارف، بما يضع آجالا لتنظيم السحوبات بطريقة تخفف كثيرا من المنازعات القائمة وتصبح منضبطة بموجب قانون.

مجلس الوزراء لا يُسائل القضاة
أما في مقاربة موضوع الساعة المتعلق بقرارات القاضية عون، يؤكد يمّين أن هناك فصلا ببسلطات في مقدمة الدستور، كما ان المادة 20 تنص على ان القضاة مستقلون بتأدية وظائفهم القضائية.

ولا يحق لمجلس الوزراء ان يسائل القضاة ولا حق للسلطة التنفيذية بالضغط على القضاء وإلا فهذه خطيئة. في المقابل يستطيع المدعي العام التمييزي أن يعطي أوامر وتوجيهات الى المدعين العامين الاستئنافيين حول سير الدعوى العامة، ولكن ليس تبعا لأوامر من مجلس الوزراء، علما أنه رفض التجاوب مع توجيه الضغوط ضد القاضية غادة عون.

ويلفت الى ان صلاحيات السلطة التنفيذية على النيابات العامة محدودة بما يتعلق بعلاقة وزير العدل بها لتحريك الدعوى العامة أو إحالة أحد القضاة او اكثر الى التفتيش القضائي في حال ارتكابه مخالفات.

أما في ما عدا ذلك فلا تستطيع السلطة التنفيذية توجيه اوامر الى القضاء الواقف او الجالس، وجلّ ما تستطيع الحكومة ان تقوم به في ما يتعلق بالأزمة المطروحة هو تكليف وزير العدل بالتعاون مع وزير المالية اعداد مسودة مشروع قانون «الكابيتال كونترول» تمهيدا لإقراره في مجلس الوزراء واحالته الى مجلس النواب.

هنا حضر طرح مؤداه إمكانية إحالة الحكومة الجرائم المالية على المجلس العدلي لتوحيد الملاحقة.

وهو ما لا يجده الخبير الدستوري قانونيا ولا واقعيا كون المجلس مقيد في إمكانية إحالة أي جريمة على المجلس العدلي باختصاصات محددة في قانون اصول المحاكمات الجزائية، التي لا تشملها الجرائم المصرفية، كما ان هناك ملاحقات او منازعات ذات طابع مدني وهناك مراجعات لدى دوائر التنفيذ وهناك تدابير واجراءات لدى قضاء الامور المستعجلة وهي كلها خارج اختصاص المجلس العدلي.

من هنا فإن هذا الطرح لا يحل المشكلة عدا عن أنه قد يؤدي عمليا الى تعقيد أو تكبيل أصحاب الحقوق بمراجعة القضاء، لأن دور اصحاب الحقوق مرهون لدى المجلس العدلي في تحريك النائب العام التمييزي للدعوى العامة وانضمامهم إليها لاحقا.

ما المخرج إذاً؟

مع افتقاد قانون «الكابيتال كونترول» في ظل الإرباك الحاصل راهنا، نحن أمام ازمة مفتوحة.

أما معالجة الأزمة بمختلف أبعادها فهي تحتاج طبعا الى خطوات كبيرة، ولا بد من انجاز التفاوض مع صندوق النقد واقرار الاصلاحات لإعادة الثقة الى البلد وتفعيل الاقتصاد وتوسيع حجمه لإعادة الاستثمارات الأجنبية واللبنانية التي في الخارج واعادة الثقة الى القطاع المصرفي وإعادة هيكليته.. يختم يمّين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.