ريفي يروي فصولاً من 14 شباط

كتب نجم الهاشم في “نداء الوطن”:

17 عاماً على اغتيال رفيق الحريري وزلزال 14 شباط 2005. 17 مرّة مرّ 14 شباط ولكن لم يعد مروره عظيماً. كان ذلك اليوم يوماً عظيماً من أيام لبنان. عظيماً في حجم الكارثة والوجع وكمية القتل المعلن. وعظيماً في ردة الفعل التي أخرجت ما في قلوب الناس وعقولهم ونفوسهم إلى الحناجر والقبضات التي ارتفعت في سماء بيروت ولبنان معلنة ثورة كانت تشتعل وتطالب بطرد الجيش السوري من لبنان.

كان البلد صار مفروزاًً بين 8 آذار و»شكراً سوريا» وبين 14 آذار «سيادة حرية استقلال» قبل أن يأتي هذان التاريخان ويحين موعدهما. بقي اغتيال رفيق الحريري حدثاً كبيراً ولا يزال ولكن التعاطي معه لم يعد كبيراً. غيّر رفيق الحريري في حياته مجرى الأحداث بسرعة سياسية هادئة وصاخبة أحياناً ولكن اغتياله كان صاعقاً وتردد صداه في العالم كله. وكان صاعقاً على الذين اغتالوه أيضاً واعتقدوا أنه في إمكانهم كنس ساحة الجريمة وأن يذهب الناس إلى أشغالهم في اليوم التالي وكأن شيئاً لم يكن. ولكن بعد 17 عاماً لا يزال صدى الإغتيال كبيراً ولا يزال دم رفيق الحريري على الأرض طالما أن العدالة لم تأخذ مجراها وطالما أن «حزب الله» لا يزال يعتبر أن من نفذوا هذه العملية يرتقون إلى مرتبة القداسة.

اللواء أشرف ريفي كان في قلب تلك الأحداث قبل الإغتيال وبعده. رافق لجان التحقيق والمراحل السياسية وعاش تجربة رفيق الحريري بحلوها ومرّها من موقعه كرئيس لفرع المعلومات وكمدير عام لقوى الأمن الداخلي. وعلى الرغم من أن كلاماً كثيراً قيل في 14 شباط وظروف الإغتيال، وعلى رغم أن المحكمة الدولية أصدرت حكمها بعد 15 عاماً على الجريمة ولكن تبقى ذاكرة اللواء خزان أسرار لرواية لم تروَ فصولها كاملة بعد.

في هذا الحديث مع اللواء المتقاعد من الوظيفة لا من العمل السياسي استعادة لبعض محطات تلك المرحلة وللعلاقة التي جمعته بالرئيس الشهيد وللدور الذي قام به مع فرع المعلومات.

أين كنت في 14 شباط 2005؟

بعد آخر حكومة للرئيس رفيق الحريري في العام 2004 واعتذاره عن تكليفه تشكيل حكومة جديدة، بعد صدور القرار 1559 والتمديد لرئيس الجمهورية أميل لحود، وبعد تشكيل حكومة جديدة برئاسة الرئيس عمر كرامي تعكس خيارات النظام السوري و»حزب الله» في لبنان، تم تعيين اللواء علي الحاج مديراً عاما لقوى الأمن الداخلي، كنت رئيساً لمكتب المباحث الجنائية فتم تشكيلي مع نبيل مرعي والضباط الذين كانوا قريبين من الرئيس الحريري إلى مراكز إدارية غير عملانية لا علاقة لها بأي ملفات أمنية أو يمكن أن تكون من خلال مواقعها قادرة على الإطلاع على معطيات أمنية وذلك حتى لا يكون لها أي دور أمني في إطار خطة تطويق الرئيس الحريري. نقلت يومها إلى المفتشية العامة في وزارة الداخلية. في موقع مسؤولية مكتب المباحث الجنائية كان يتبع لنا مكتب مكافحة الإرهاب ومكتب السرقات الدولية ومكتب الجرائم المالية والمعلوماتية cyber crimes وكان مركزنا في ثكنة قوى الأمن الداخلي على طريق صيدا القديمة بولفار الرئيس كميل شمعون. ماذا كان يعني ذلك؟ أنهم وضعونا في ما يشبه المنفى الوظيفي.

عندما حصلت عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005 كنت لا أزال في هذا الموقع، وبعد الإغتيال تغيّر الجو السياسي بشكل كبير. التطور الأول الذي لم يكن يتوقعه منفذو عملية الإغتيال كان تكليف الأمم المتحدة المحقق الدولي بيتر فيتزجيرالد المجيء إلى لبنان على رأس بعثة تحقيق دولية لاستقصاء أبعاد ما حصل ووضع تقرير أولي حول عملية التفجير وجريمة الإغتيال التي كانت تداعياتها دولية وليقدم هذا التقرير إلى الأمين العام لكي تتحرك الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي على أساسه لأن الجريمة اعتبرت دولية نظراً للإحاطة الدولية التي كانت قائمة حول الوضع في لبنان منذ صدور القرار 1559 والموقع الكبير الذي كان يشغله الرئيس رفيق الحريري والدور الكبير الذي كان يضطلع به على صعيد علاقاته الدولية الواسعة في لبنان والعالم والمنطقة. كانت تلك بعثة استطلاع أمنية دولية وهي كانت تعني سحب التحقيق والمبادرة من أجهزة الأمن اللبنانية التابعة عملياً للقرار السوري والمخابرات السورية.

وكان وزير الداخلية سليمان فرنجية، فعينني لأكون ضابط الإرتباط مع هذه البعثة وكانت هذه الخطوة بمثابة إظهار حسن نية تجاه بيت الحريري على خلفية أنه عيّن شخصاً تثق به العائلة حتى لا يقال أن السلطة القائمة ترغب في إخفاء الحقيقة. بدأت العمل والتنسيق مع بيتر فيتزجيرالد الذي تمكن من وضع تقريره الأول في خلال مدة شهر تقريباً وخلص فيه إلى أن الجريمة خطيرة وأن المطلوب تشكيل لجنة تحقيق دولية ومحكمة دولية، واعتبر أن الأجهزة الأمنية القائمة وقتها غير قادرة أو لا تريد كشف الحقيقة وكان من اقتراحاته تغيير قادة هذه الأجهزة التي كانت مرتبطة بالنظام السوري.

كيف بُنيت العلاقة بينكم وبين الرئيس رفيق الحريري؟

كنت ضابطاً في قوى الأمن منذ العام 1976. عندما كان الرئيس سليم الحص رئيساً للحكومة، في العام 1988 في زمن الحكومتين بحكم وجود حكومة العماد ميشال عون العسكرية في بعبدا، كنت في سرية الحرس الحكومي. عندما صار الرئيس رفيق الحريري رئيساً للحكومة بعد انتخابات العام 1992 استبعدني فريق عمله لأنهم اعتبروا أنني محسوب سياسياً على الرئيس الحص. لا أنفي أنني كنت قريباً إلى الرئيس الحص كقيمة وطنية وأخلاقية وهذا للأمانة. في ذلك الوقت تم تعيين اللواء علي الحاج رئيسا لسرية الحرس الحكومي مع الرئيس الحص وكنا أصدقاء ورفاق دورة عسكرية واحدة. نقلت من الحرس الحكومي إلى المكتب المالي ومكتب الإرتباط وكان جهاز أمن الدولة يستعير ضباطاً من قوى الأمن يتم فصلهم للعمل فيه. اقترحوا عليّ نقلي فتمّ فصلي. كانوا يريدون ضابطاً سنيا فوافقت.

رحت على أمن الدولة. خدمت نحو ثلاثة أعوام رئيساً لمكتب الأمن الداخلي ثم فصلت إلى رئاسة جهاز أمن الدولة في الشمال. في هذه المرحلة حصل اتفاق بين الرئيس رفيق الحريري واللواء غازي كنعان مسؤول الإستخبارات السورية في لبنان على أن يتم إنشاء جهاز أمني يكون مرتبطاً برئيس الحكومة وتابعاً لقوى الأمن الداخلي. كان الرئيس الحريري ابدى اعتراضاً على طريقة تعاطي الأجهزة الأمنية القائمة معه، مديرية المخابرات في الجيش والأمن العام وأمن الدولة، لأنهم لم يكونوا يزودونه بتقارير أمنية ويعطونه أخباراً يعتبرها غير مجدية ومش حرزانة ولا يستطيع بالتالي أن يطلع على حقائق الأوضاع. كان الرد السوري على طلب الحريري أنهم لا يمكنهم أن يعطوه لا المخابرات ولا الأمن العام ولا أمن الدولة. واقترحوا إنشاء جهاز داخل قوى الأمن الداخلي يستطيع أن يمون عليه. فكان فرع المعلومات وعينوا وقتها العميد وليد قليلات رئيسا لهذا الفرع المستحدث.

كان ضابطاً جيداً ولكنه لم يكن مؤهلاً لمثل هذا العمل الأمني ولتأسيس جهاز استعلام ومخابرات. وكان مدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء رفيق الحسن. قال الحسن للحريري: يا دولة الرئيس العميد قليلات ضابط آدمي ومرتب ولكنه ليس معداً (مش خرج) لهذا العمل. وأنصحك إذا أردت أن تقلّع بهذا الفرع يجب اختيار شخص غير وليد قليلات. ولكن الرئيس الحريري أصرّ عليه. وكان هناك من نصحه به لحسابات بيروتية. لم يستطع قليلات أن يُقلّع بالجهاز على رغم مرور نحو عام على تكليفه بهذه المهمة. عندما لم يلمس الرئيس رفيق الحريري نتيجة ملموسة من هذا العمل أحتجّ عند السوريين واللواء الحسن. شو عم تضحكوا عليّي؟ شو هالجهاز؟ قال له الحسن: صحيح إن الجهاز مش مقلّع.

نصحتك باختيار ضابط غير قليلات. لدينا ضابط سني هو أشرف ريفي مفصول على أمن الدولة وتدرج على يد اللواء نبيه فرحات الذي كان نائباً لمدير المخابرات في الجيش ثم رئيساً لجهاز أمن الدولة. وهو يعتبر من أهم ضباط الإستعلام في لبنان ويناسب هذا المركز. إذا بيعطوك ياه من أمن الدولة جيبو. قال له الحريري: كيف ما بيعطوني ياه؟ أنا رئيس حكومة. قال له الحسن: اطلبه إذاً. طلبني وانتقلت إلى فرع المعلومات. استلمت الفرع وبدأنا العمل والتأسيس من جديد اعتباراً من العام 1994.

في العام 1998 استقالت حكومة الرئيس الحريري بعد انتخاب الرئيس أميل لحود رئيسا للجمهورية ورفض تسميته رئيساً مكلفا تشكيل الحكومة بعد بروز مسألة تجيير أصوات عدد من النواب إلى رئيس الجمهورية الأمر الذي اعتبره مخالفاً للدستور. كنا في جو العدائية التي يتعاطى بها فريق لحود مع الحريري. نصحناه وقتها وقلنا له إن لحود لا يريد أن يتعامل معك. طلاع من اللعبة. قال لنا: على العكس. لدي وعد من السوريين بأن أبقى رئيسا للحكومة. قلنا له: إنهم يكذبون عليك. يقولون لك شيئاً بينما يكونون في صدد تحضير عمل آخر ضدك. الإشارات التي لدينا تقول إنهم لا يريدون أن تكون رئيساً للحكومة. في النهاية اقتنع بكلامنا وتقييمنا للوضع نتيجة عدة معلومات ومعطيات أمنية تقاطعت لدينا وأطلعناه عليها.

مثلا؟

كانت هناك معطيات حول تدخلهم في أمور عائلية أكثر منها سياسية. فاتوا عليه بأمور من هذا النوع. قلت له إن من يريد أن يتعاون معك لا يتجنّى عليك بمثل هذه القضايا الخاصة. هذه إشارات لا تدل على أنهم يريدون أن يتعاونوا معك. في هذا الجو حصل الخلل الدستوري في الإستشارات استفاد من هذا الخرق واعتذر. كانت نصيحتنا له أن يخرج في أول مناسبة تتاح له وهكذا حصل. عندما اعتذر كان أول قرار اتخذ في قوى الأمن الداخلي بإبعادي عن فرع المعلومات وإعادتي إلى «المنفى». نقلوني إلى مركز التدريب في القبة في الشمال. كان اللواء عبد الكريم ابراهيم مديراً عاما لقوى الأمن الداخلي مكان اللواء رفيق الحسن. قال لي ابراهيم: مضطرين نشيلك من مركزك. قلت له: أنا عسكري التزم قرار القيادة. نقلت من مركز مخابرات إلى مركز تدريب إلى مهمة تحتاج إلى ضابط برتبة ملازم أول بينما كنت برتبة عقيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.