عون إلى الفاتيكان: محاولة جديدة لإزاحة الراعي!

كتب أحمد الأيوبي في “اللواء”:

وضع رئيس الجمهورية ميشال عون لزيارته إلى الفاتيكان، عنواناً أساساً هو «مناقشة أوضاع مسيحيي الشرق ومسيحيي لبنان خاصة في ضوء التطوّرات والأحداث وإنعكاسها على مستقبل لبنان»، وهذا ما يطرح جملة إشكالات تثير الريبة، خاصة أنّ توسيع النقاش إلى مسيحيي الشرق، بينما يعاني مسيحيو لبنان، وبقية شراكائهم في وطن الرسالة، تحديات وجودية، يعتبر ترفاً سياسياً وانفصالاً عن الواقع، وتصويباً على عناوين اعتاد حلفاء عون الإقليميون استخدامها في إطار تسويق سياساتهم العنصرية التي كان أبرز تجلياتها حلف الأقليات، الذي جرى تسويقه منذ سنوات عبر الدبلوماسية الإيرانية لدى الفاتيكان، ومن خلال فرض الوقائع على الأرض في هذا الشرق.

يعيد الرئيس عون طرح إشكالية المسيحيين المشرقيين وهي العنوان الذي حاول تسويقه من خلال مؤتمر عُقد في بيروت عام 2013 لتكريس مرجعيته في النطق باسم هؤلاء، لكنّ المؤتمر انفضّ وبقي الشعار للاستهلاك عند الحاجة الإقليمية والمحلية على حدٍ سواء.

لكن ماذا يملك عون من تأثير على مسيحيي المشرق وعلى مصائرهم وعلى قضاياهم، في العراق أو سوريا أو الأردن، إلاّ إذا كان يأخذ دور الناقل لرسائل إيران ومحورها حيال هذه الشؤون، فهذا أمر مرجح، لأنّ الاعتبار الأول، أي تأثير عون على قضايا المسيحيين، ساقط بحكم الواقع، بينما أصبح معتاداً أن تكون رئاسة الجمهورية صندوق بريد لنقل الرسائل الإقليمية والدولية.

وهنا يبرز السؤال: ماذا يريد الرئيس عون من الفاتيكان وماذا يريد أن يقول للبابا حول أوضاع مسيحيي المشرق؟

الواضح أنّ علاقة الرئيس عون بالكنيسة المارونية سيئة رغم الشكليات السائدة، ولسنا بحاجة إلى سرد عناوين التباين، التي كان أوضحها دعوة البطريرك بشارة الراعي رئيس الجمهورية إلى تحرير الشرعية، فضلاً عن الخلاف الواضح مع بكركي حول طرح الحياد.

في السياق نفسه، فإنّ رئاسة الجمهورية في عهد عون لم تكن معنية في أي محطة من المحطات، بالدفاع عن الكنيسة المارونية، في وجه حملات الاستهداف التي تطالها، وفي وجه الإساءات التي يوجهها إليها المحور الإيراني، من خلال رؤوس «حزب الله» ووسائله الإعلامية، ومنها تلك الإساءة الصادرة عن قناة العالم في آذار 2021، وآخر تلك التي وجهها رئيس تحرير صحيفة «الأخبار» إبراهيم الأمين عندما لخّص حقيقة موقف الحزب من الكنيسة المارونية بقوله إنّ «هناك إشكالية أهم من إشكالية سلاح «حزب الله» في لبنان وهي إشكالية اسمها بكركي»، «رأيي مشكلة لبنان هي الكنيسة المارونية».

كان موقف تيار الرئيس، وعلى رأسه النائب جبران باسيل تحريضياً بشكل متواصل ضد البطريرك الراعي، ويكشف المتابعون لحركة باسيل باتجاه الفاتكيان أنّها كانت ممنهجة وتراكمية وتصاعدية، تستهدف دائماً التشكيك في سياسات البطريرك الراعي، وتحرّض عليه وتبخس طروحاته الوطنية، وتعمل دائماً على تبرير سياسات «حزب الله»، تحت ذريعة حماية المسيحيين، وتصوير انتخاب «الرئيس القوي» على أنّه من إنجازات تفاهم مارمخايل الذي شكّل ترجمة لدعم الحزب للمسيحيين.

مذكرته التي أرسلها إلى السفير البابوي المونسنيور جوزف سبيتاري عبر الوزيرين منصور بطيش وسيزار أبي خليل في شهر شباط 2021 رداً على مبادرة البطريرك الراعي إلى حياد لبنان، وحينها صرّح بطيش بأنّ شرط «تحييد لبنان عن صراعات المنطقة أن يكون ضمن أطر التفاهم الداخلي وهذا يتطلب الجلوس الى الطاولة لمناقشة مسألتي الحياد الإيجابي وعقد مؤتمر دولي خاص بلبنان برعاية الأمم المتحدة»، في إشارة واضحة إلى ضرورة العودة إلى «حزب الله» في هذه المسألة كشرط لقبول طرحها دولياً.

وحسب المعطيات المتوافرة، فإنّ «حزب الله» بالتعاون مع الدبلوماسية الإيرانية، ومع النائب باسيل الذي يعتمد على ولاء سفير لبنان في الفاتيكان فريد الياس الخازن على الضخّ السلبي المتواصل ضدّ قيادة البطريرك ومقاربته للشأن الوطني، وتفيد المعلومات بأنّ تحالف «حزب الله» مع الرئيس ميشال عون يسعى إلى اتخاذ سلسلة خطوات هدفها الأعلى الإطاحة بالبطريرك الراعي، كأولوية، في محاولة لتكرار تنحي البطريرك الراحل نصرالله صفير عن كرسي البطريركية، وفي حال الفشل: إضعافه وتحطيم حضوره ومنع تأثيره السياسي والاجتماعي والديني، من خلال الاستهداف والتطاول على مقامه، بمختلف الوسائل، وبهذا يجري إضعاف الحالة العامة الرافضة للهيمنة الإيرانية في لبنان.

تعتبر الكنيسة المارونية الصخرة التي نشأ عليها لبنان، ومسار البطاركة الموارنة كان يدور حول الهوية التاريخية للمسيحيين في الشرق، وتماسكهم وبقائهم على مرّ القرون، وتمكنهم من صياغة حياة مشتركة حفظت وجودهم الحضاري بعد تحوّل المنطقة إلى الأغلبية الإسلامية السنية، رغم مرور فترات اضطراب عام.

ما يواجهه المسيحيون اليوم هو فرض هوية هجينة عليهم، تريد إقناعهم بأنّهم ضعفاء وغير قادرين على الاستمرار بدون الحماية الإيرانية، من خلال حلف الأقليات، وهذا الفكر هو الذي اعتنقه العماد ميشال عون، واستمدّ منه قوّته بابتزاز بقية المكوّنات حتى وصل إلى رئاسة الجمهورية، ويريد أن يعمّمه كمفهوم سياسي لعلاقة المسيحيين بمحيطهم.

يرفض المسيحيون فكرة الذمية، رغم أنّ بداياتها كانت شرعية وسامية، في ظلّ دولة إسلامية حاكمة تجعل أهل الكتاب في ذمتها.

لكنّ هذا المفهوم تحوّل مع الوقت ليصبح مصطلحاً مرفوضاً، ولكنّ ما يطرحه الإيرانيون اليوم من خلال حلف الأقليات أسوأ بكثير من مفهوم الذمية.

فأهل الذمة كانوا يعيشون في ظلّ دولة قادرة فعلاً على الحماية وعلى بسط القانون، بينما يقوم الإيرانيون بأعمال القرصنة والاعتداء وتدمير المجتمعات وضرب الاستقرار وتحريض الأقليات على الأكثرية السنية من دون وجه حق.. بل ويفتعلون الفتن ويدفعونها نحو المسيحيين، من خلال استثمارهم في تنظيمات التطرف السني (القاعدة وداعش)، التي آووا قادتها واستغلوا واخترقوا بينانها.

الخطر في ما يحمله عون ومن معه في المجتمع المسيحي أنّه يقضي على تاريخ الموارنة وتراثهم الفكري والحضاري، ليُلحقهم بحضارة غريبة تنشر مفاهيمها بالقتل والتدمير والإرهاب، وهي لا تشبه المسيحيين وستعمل على طمس إيمانهم وهويتهم من خلال القضم التدريجي لمكوناتهم الاجتماعية.

وفي هذا الإطار يصوّر «حزب الله» والرئيس عون للفاتيكان أنّ تفاهم مارمخايل الذي أوصل «الرئيس المسيحي القوي» جاء في إطار حماية المسيحيين وتعزيز حضورهم في الدولة، وأنّ معارضة العهد هي معارضة للحضور المسيحي القوي في الدولة وفي المشرق، وبالتالي فإنّ الاعتراض على هيمنة الحزب هي تهديد للوجود المسيحي بالحرب والإبادة.

عناوين مرافعة عون ضدّ البطريرك الراعي

تصبّ الانتقادات الرئاسية والباسيلية المدعومة من «حزب الله» للبطريرك الراعي في جملة نقاط أهمها:

أنّه يشتغل بالسياسة وترك الشأن الديني وأهمل شؤون الكنيسة. ويأتي في هذا الإطار ما يثيره إعلام «حزب الله» من ملفات وقضايا تتعلق بالكنيسة، وذلك الهجوم العنيف الذي شنّه رئيس تحرير الأخبار إبراهيم الأمين عبر تلفزيون الجديد في برنامج «بتفرق عوطن» عندما اعتبر أنّ:»هناك اشكالية أهم من اشكالية سلاح «حزب الله» في لبنان وهي إشكالية اسمها بكركي» وأنّ «مشكلة لبنان هي الكنيسة المارونية».

أنّ البطريرك الراعي، يشقّ الصف المسيحي، وينحاز لفئة دون الأخرى، من خلال تبنّيه للطروحات السيادية، وهنا يجري تحوير الموقف الوطني إلى انحياز حزبي، يعتبره التيار الوطني الحر ضدّ في السياسة، وهذا يمثل جزءاً من المكر السيِّىء الذي يريد إسكات الخيارات الوطنية لأنّ شرائح من اللبنانيين تؤيدها، بينما يقف الرئيس عون وصهره باسيل إلى جانب «حزب الله» في رفضها.

يعترض الرئيس عون وصهره باسيل على الدور الاحتوائي الذي قام به البطريرك الراعي لهجوم الثنائي الشيعي على عين الرمانة، وتحركه للقاء الرئيس نبيه بري ووقف تدهور الأوضاع، ورفضه استخدام القضاء لاستهداف رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، خلافاً لمنطق القانون وطبيعة الأحداث.

لم يخفِ باسيل غضبه من مبادرة البطريرك الراعي بعد أحداث الطيونة عين الرمانة، وهو الذي ظنّ أنّه كاد أن ينجح في إعادة جعجع إلى السجن، وبعض الظن إثم.

كان المطلوب بالنسبة إلى «حزب الله» أن تتحوّل تلك الأحداث إلى كرة نار تصيب شخص سمير جعجع، وعندما فشلت المحاولة، عمد الحزب ومعه التيار الوطني إلى تصوير عجزهم عن الحسم الميداني والاستثمار السياسي والأمني، إلى حكمة وصبر وحرص على المسيحيين، وهذا خلاف الواقع.

يأخذ الرئيس عون على البطريرك الراعي حرصه على العلاقة مع المملكة السعودية ودفاعه عن تاريخية العلاقة اللبنانية بالرياض، ويعتبر، مع «حزب الله» أنّ زيارته التاريخية للمملكة خرق سلبي ما كان يجب أن يحصل، لأنّه يضع الموارنة في المحور المعادي لإيران، وهذه نقطة جوهرية في مقاربة هذا الطرف للموقف من بكركي.

في الختام، يعتقد «حزب الله» والرئيس عون وجبران باسيل أنّ البطريرك الراعي عقبة في وجه استكمال السيطرة على لبنان وفي وجه ضمان التوريث الرئاسي وأنّ الخطّ التاريخي للبطاركة يجب أن ينتهي مع النهاية التي تريدها إيران للبنان، على غرار مع فعلته في العراق وسوريا واليمن، لكنّ صخرة بكركي الصلبة تكسّرت عليها موجات كثيرة عاتية من قبل، وستبقى ضمانة لاستمرارية الشراكة الإسلامية المسيحية ببعدها الحضاري والإنساني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.