كيف أبحر زورق الموت ولم تلحظه أجهزة الرادار؟… الأجوبة في جعبة لجنة تحقيق شفافة وإلا…

بعيدا من نظرية المؤامرة التي تحاك حول مسرح كل جريمة سياسية في لبنان أو عند وقوع حادث أمني أو إنساني على غرار غرق زورق الموت الذي هز أمن طرابلس منذ وقوعه، ولا تزال تداعياته تتفاعل بالتزامن مع استمرار عمليات البحث عن المفقودين في عرض البحر، ثمة الكثير من علامات الإستفهام التي تطرح على خلفية كيفية مغادرة الزورق ميناء طرابلس من دون أن تلحظ الأجهزة الأمنية ذلك، مما يفتح الباب أمام عدة احتمالات حول آلية المراقبة على المرافئ الشرعية وغير الشرعية التي يفترض أن تكون بدورها خاضعة لمراقبة الجيش اللبناني وجهاز المخابرات في الشمال؟ ولماذا لم تضبط أجهزة الرادار عملية خروج هذا الزورق الذي كان يقل حوالى 90 مهاجرا غير شرعي من لحظة إبحاره، علما أنه لا يسمح لأية باخرة أو زورق أو يخت أو حتى مركب صيد من اجتياز مساحة السيادة اللبنانية المحددة بـ12 كلم من الشاطئ إلا بعد التبليغ عن ذلك والحصول على الإذن من السلطات الإدارية والأمنية التابعة للمرفأ.

ملف غرق مركب طرابلس حضر اليوم إلى طاولة مجلس الوزراء وشارك في الجلسة قائد الجيش العماد جوزف عون وقائد القوات البحرية في الجيش اللبناني العقيد الركن هيثم ضناوي وعرضا فيديوهات تثبت أن زورق طرابس تعرّض للضرب من جانبه ما يثبت أن الجيش لا علاقة له بغرقه. هذا ورفض رئيس الحكومة نجيب ميقاتي إلقاء التّهم جزافاً ومتابعة قضية غرق الزورق وفق الأصول القضائية والأمنية على أن تكون التحقيقات شاملة، وأكد على ثقته “الكبيرة” بقيادة الجيش وحرصها على الحفاظ على أرواح كل اللبنانيين وعلى صدقية التحقيقات. ومن هنا نبدأ.

فمن الواضح أن مأساة غرق المركب الذي كان يقل مهاجرين غير شرعيين ومن جنسيات لبنانية وسورية بدأ يأخذ طابعا أكثر خطورة من واقع المأساة التي حصدت أرواح أبرياء كانوا يحلمون بالوصول إلى بر الأمان هربا من واقع الذل الذي يعيشون فيه، وذلك من خلال تصويب أصابع الإتهام إلى الجيش وتحميله مسؤولية غرق الزورق نتيجة ارتطامه عمدا بالمركب وبالتالي الى المؤسسة العسكرية وقائدها.

العميد خالد حماده يوضح عبر المركزية “أن كل المرافئ الشرعية وغير الشرعية تخضع لمراقبة أجهزة مخابرات الجيش ووحداته. أما بالنسبة إلى مركب الموت الذي أبحر من مرفأ طرابلس فثمة معلومات تشير إلى أنه انطلق من مرفأ القلمون وليس من مرفأ طرابلس”.

في السياق يطرح العميد حماده جملة أسئلة مفادها “لماذا لم تضبط الأجهزة الأمنية المركب الذي كان يقل مهاجرين غير شرعيين قبل أن يبحر ويصبح على مسافة 500 متر من اجتيازه المياه الإقليمية، في حين أن كل المرافئ في الشمال خاضعة لمراقبة القوى الأمنية؟ وكيف تمكن حوالى 90 شخصا من الدخول إلى المركب من دون أن تتنبه القوى الأمنية ووحدات الجيش المولجة بمهام المراقبة لهذه الجمهرة عند الشاطئ ولم تلاحظ وجود تحركات غير طبيعية؟ كيف أبحر المركب ولم تضبطه شبكة الرادارات ولماذا تأخرت خافرة القوات البحرية من الوصول إليه بعد أربع ساعات على إبحاره، علما أن مركز القوات البحرية يبعد أمتاراً قليلة عن الشاطئ الذي أبحر منه؟ من يراقب أجهزة الرادار، ومن أعطى الأوامر بالتحرك بعد أربع ساعات، إذ من غير الممكن ان يكون انطلق المركب من دون أن يلاحظه أحد أقله أجهزة الرادار؟ أخيرا وليس آخرا لماذا لم تطلب عناصر الخافرة التابعة للقوات البحرية المساندة عند وصولها إلى محاذاة المركب والتأكد أنه يقل حوالى 90 راكبا؟”.

من هذه الأسئلة يجب أن ينطلق التحقيق بحسب العميد حماده “على أن تتولاه لجنة ذات مستوى تقني عال للوصول إلى الحقيقة”. وإذ يرفض الدخول في الإجابات تاركا الأمر للجنة التحقيق، يوضح أن عمليات توقيف الزوارق التي تقل مهاجرين غير شرعيين تتم في العادة وفق تقنيات عسكرية تعتمد على مصادرة المركب وإعادته مع المهاجرين إلى الشاطئ”. وهذه العملية لا تحتاج إلى صدم المركب مرة أو مرتين كما أفاد الناجون “إذ يكفي أن تقترب الخافرة من المركب وينزل منها عناصر القوات البحرية بواسطة الزوارق المطاطية السريعة الموجودة على الخافرة ويُطلب من سائق المركب التوقف بقوة السلاح ويصار إلى ربطه بالخافرة وسحبه إلى الشاطئ”.

غموض كبير يلف تفاصيل غرق مركب طرابلس. وحده التحقيق الشفاف قادر على الإجابة عن الأسئلة وإقفال الباب على كل الترجيحات ونظريات المؤامرة التي باتت تخيم على هذه المأساة. وحتى لا تبقى مزاريب التهريب مشرعة وحصاد الأرواح البريئة يتكرر في ظل الحرمان والذل الذي يعيشه أهالي طرابلس وسواهم من النازحين السوريين يسأل حماده: “لماذا لم تتخذ السلطات اللبنانية حتى اللحظة إجراءات أمنية لوقف عمليات تهريب الأشخاص الرائجة في الشمال اللبناني. فالمسألة لا تحتاج الى أكثر من تسيير دوريات بحرية بواسطة الزوارق بين لبنان وقبرص. ومعلوم أن المسافة قصيرة إذ لا نتكلم عن المحيط الأطلسي أو عن مثلث برمودا”. ويختم: “ثمة خطأ جسيم وقع ولا يجوز التعامل معه بنوع من الخفة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.