لقاح المياه والملح بدل فايزر… القصّة الكاملة

لا يلتقي إثنان في مدينة البترون وقرى القضاء إلا وتحلّ أخبار الجريمة ثالثهما. ثمة يا شعب لبنان العظيم مجرمون يرقصون على دمائكم ويشربون النبيذ والعرق ويدخنون النرجيلة والسيكار وهم يقهقون. فهل نحن في دهاليز جهنم؟
وزارة الصحة العامة تُحقق. النيابة العامة تلقت دعوى في الموضوع. ومنظمة الصحة العالمية يفترض أن تتحرك. فما حدث ليس قليلاً أبداً ويفترض ان يجري حوله تحقيق اللهمّ ألا يكون من عبثوا في صحة الناس “محصّنين”! بدأت القصة حين انتقل أحد من ظنّ انه أخذ لقاح فايزر في مستشفى البترون الى مختبر قريب ليفحص نسبة المناعة التي كونها فجاءت النتيجة صفراً. اتصل بقريب نال ايضاً اللقاح فأجرى الإختبار وأتت نتيجته مماثلة. فسرى الخبر وكبر كما كرة الثلج فتبيّن ان المئات لقحوا بالمياه والملح.
اللقاح بعشرين دولاراً
المتهمة الأولى سيلين زكريا، الممرضة التي طُردت منذ وقت من المستشفى بسبب سلوكياتها، وعادت إليه من بوابة بلدية أميون، لتشارك في عملية التلقيح. كل الأدلة تشير الى تورطها في الجريمة. سيلين هي قابلة قانونية sage femme، كانت تعمل في مستشفى البترون قبل ان يرفع بها زملاؤها وزميلاتها، ممن حبست بعضهم في الحمام وأقفلت الباب عليهم وضربت إحداهن، عشرات التقارير عما تقترفه من سوء معاملة فطُردت. وأتت جائحة كورونا فعينتها بلدية أميون من قبلها مسؤولة عن أخذ عينات PCR من البيوت ومتابعة عملية التلقيح في المستشفى. وبدأت “تنغل” على مسرحها. كل الإتهامات موجهة إليها، يعاونها شقيقها سيزار زكريا المسؤول عن مختبر الدم في المستشفى وصوره عبر السوشال ميديا كثيرة مع “إبن بيّ الكلّ” المدلل جبران باسيل، ووالدتها تدير كافيتريا المستشفى. والمعلومات التي راجت حكت عن مئات الأشخاص الذين وعدتهم أنها قادرة أن تعطيهم لقاح فايزر خارج المنصة. وُعدوا فلبوا. وكانت تحصل، على ما قيل، على بقايا اللقاح والقناني الفارغة من المختبر المسؤول عنه شقيقها وتخلطها مع المياه والملح وتلقح بها “الجهلة” في الكافيتريا والبيوت والسيارات مقابل عشرين دولاراً بدل اللقاح الواحد.
هكذا انطلقت الجريمة. وحين ظهر الجرم ادعت ان طبيب القلب الدكتور جورج طنوس، المسؤول عن مركز التلقيح في المستشفى، شاركها الفعل من خلال إعطائها اللقاحات. لكن، كل من يعملون في المستشفى وكل فاعليات البترون “يشكون بأنفسهم ولا يشكون بالطبيب غنطوس”. فهو، بحسب أمين سر اللجنة الطبية في مستشفى البترون الدكتور الياس غصن “آدمي جداً”. النائب فادي سعد يشاطره الرأي ويقول “سيتقدم الدكتور طنوس بدعوى اليوم (البارحة) وإذا لم يفعل سأفعل بنفسي ذلك”. الدكتور جورج طنوس (زوج الإعلامية ريما عساف) تقدم بالفعل البارحة بدعوى. فماذا لديه ليقول؟ يجيب “رفعتُ دعوى في النيابة العامة في طرابلس من أجل إجراء تحقيق جدي يذهب بما حدث حتى النهاية وليتحمل كل طرف مسؤولياته كاملة”.
هناك محاولة من المتهمة لإلباس الجريمة الى بعض الأطباء على رأسهم جورج غنطوس وشارل زعيتر والياس غصن. هذه جريمة كبيرة وإستسهال إلباسها الى آخرين جريمة أكبر. والسؤال، هل يعقل ان الأجهزة الأمنية، التي لا يبنى جدار في القضاء إلا و”تطبّ” عليه، لم تنتبه الى ما كان يحدث؟ السؤال الآخر، ألم يسأل من تلقوا اللقاح عن الشهادة؟ هناك قناعة أن ما كُشف صدفة في البترون وراءه شبكة كبيرة تنتشر على امتداد لبنان. وإذا صحّ ذلك فكلنا في خطر. وهناك سؤال آخر أيضاً، كيف لم تتوقف الممرضة على الفور علماً أن التوقيف يتم على الشبهة وما حصل قصة جناية؟ وهل وزارة الصحة هي المرجعية الأولى في التحقيق مع العلم أن ما حدث ليس خللاً إداريا بل جناية موصوفة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.