لماذا لا يلجأ لبنان لاحتياطياته من الذهب لإنقاذ اقتصاده؟

يملك لبنان ثاني أكبر احتياطي من الذهب في العالم العربي

 

– كم حجم احتياطي لبنان من الذهب؟
286.8 طناً.

 

– أين يخزن لبنان الذهب؟
في الولايات المتحدة ومصرفه المركزي وسويسرا.

 

في عام 1986 وعندما كان لبنان يعيش أقسى تجاربه ويجاهد اقتصاده ليظل على قيد الحياة بخضم الحرب الأهلية، كانت هناك مطالب متزايدة ببيع احتياطي الذهب لدى البنك المركزي وإنقاذ البلاد من أزمتها.

 

وقدرت حينها احتياطيات الذهب لدى لبنان بنحو 3 مليارات دولار، وكانت توازي تقريباً قيمة احتياطي العملات الصعبة لدى البنك المركزي.

 

ورغم مخاطر هذه الخطوة فإن الحكومة قررت حينها بيع جزء كبير من مخزون الذهب بالعملة المحلية (الليرة) وبأقل من 4% من سعره العالمي؛ وذلك لجذب أصحاب رؤوس الأموال لشرائه بالسعر المغري.

 

ولكن هذه الخطوة لم تتم بفضل حملة شرسة قادها حاكم المصرف المركزي آنذاك، إدمون نعيم، كانت رافضة لبيع الذهب الذي أبقى وجوده اقتصاد لبنان قائماً دون أن ينهار، طوال سنوات الحرب الأهلية.

 

وحسب آخر معطيات مجلس الذهب العالمي، المنشورة في الأول من يوليو 2022، يحتل لبنان المركز الثاني عربياً في احتياطي الذهب بعد السعودية (323.1 طناً)، حيث بلغ احتياطيه 286.8 طناً.

أول الرحلة
وبدأ لبنان باقتناء أول كمية من الذهب منذ العام 1948 على إثر انضمامه إلى صندوق النقد الدولي في العام 1946 بعد الاعتراف بالليرة اللبنانية عملة مستقلة.

 

واستمرت الحكومات اللبنانية المتعاقبة ما بين الاستقلال وأوائل السبعينيات في شراء الذهب لتغذية احتياطي مصرف لبنان المركزي، وذلك من فائض الموازنة والضرائب التي تأخذها من المواطنين.

 

ولمنع تصرف أي من الحكومات بهذا المعدن النفيس صدر، في العام 1986، القانون اللبناني رقم 42، وينص على الآتي: “بصورة استثنائية وخلافاً لأي نص، يمنع منعاً مطلقاً التصرف بالموجودات الذهبية لدى مصرف لبنان أو لحسابه مهما كانت طبيعة هذا التصرف وماهيته سواء أكان بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلا بنص تشريعي يصدر عن مجلس النواب”.

 

ومع اشتداد الخناق اقتصادياً ومالياً في لبنان بدأ البعض بطرح فكرة استغلال الذهب للخروج من الأزمة التي توصف بأنها الأقسى منذ الحرب الأهلية.

 

مؤشرات متهاوية
ولعل ما يدفع لهذه الدعوات هو المؤشرات الاقتصادية المتهاوية التي وصل إليها لبنان، فمنذ شهر مارس 2020 أعلن لبنان أنه لا يمكنه دفع ديونه المستحقة بمواعيدها، وعلق، آنذاك، سداد 1.2 مليار دولار مستحقة في التاسع من مارس من العام نفسه.

 

وحينها قال رئيس الوزراء اللبناني السابق، حسان دياب، في خطاب وجهه للبنانيين، إن احتياطيات البلاد من العملة الصعبة بلغت مستويات “حرجة وخطيرة”، مع الحاجة إلى تلبية احتياجات اللبنانيين الأساسية.

 

ودعا إلى مفاوضات “عادلة” مع المقرضين لإعادة هيكلة الديون التي تصل إلى نحو 86 مليار دولار.

 

وفي هذه المرحلة الخطيرة يعتبر احتياطي لبنان من النقد الأجنبي مؤشراً مهماً على قدرة اقتصاده على الحياة، ولكن لبنان أيضاً فقد جزءاً كبيراً من هذا الاحتياطي ليصل إلى نحو 11 مليار دولار فقط.

 

وقال حاكم البنك المركزي اللبناني، رياض سلامة، في أغسطس الماضي، إن احتياطي العملات الأجنبية لدى البنك “وصل إلى الخط الأحمر”.

 

وفي ظل هذه الأزمة الطاحنة يشهد لبنان منذ أشهر شحاً في الوقود والأدوية وسلع أساسية أخرى، بسبب عدم توافر النقد الأجنبي الذي كان يؤمنه المصرف المركزي من أجل دعم استيراد تلك المواد.

 

وفي عام 2020، أنفق لبنان ما مجموعه 14 مليار دولار أمريكي من إجمالي احتياطي النقد الأجنبي، لتوفير السيولة لشراء السلع الأساسية.

 

وانهارت الليرة اللبنانية إلى متوسط 31800 ليرة لكل دولار واحد في السوق الموازية (السوداء)، مقارنة بـ 1510 ليرات لدى البنك المركزي.

 

وقفزت على إثره أسعار المستهلك لمستويات غير مسبوقة، وسط توقعات بنسبة تضخم 100% هذا العام.

 

وتعد هذه الأزمة أكبر خطر على استقرار لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية التي استمرت من عام 1975 إلى عام 1990.

 

لماذا لا يبيع الذهب؟
ولكن لماذا لا يتم استخدام الذهب لإنقاذ اقتصاد البلاد؟

 

نقلت صحيفة “إندبندنت” البريطانية الإجابة عن هذا السؤال من خلال مصدر في المصرف المركزي اللبناني، لم تسمه، إذ يقول: إنه “كان بالإمكان الاستفادة من الاحتياطات الضخمة التي يمتلكها لبنان لتخفيف حدة الأزمة الاقتصادية، إلا أن إعلان الحكومة اللبنانية عن التوقف عن سداد ديونها للخارج من دون التفاوض مع الدائنين أجهض إمكانية الاستدانة أو رهن الذهب أو حتى بيع جزء منه”.

 

وأضاف المصدر أن “اتفاقية عقود إصدار سندات الدين بالعملات الأجنبية (يوروبوندز) التي أبرمتها الدولة اللبنانية عام 1996، تنص في أحد بنودها على قبول الدولة اللبنانية الخضوع لقوانين محاكم نيويورك المدنية لحل أي نزاع بينها وبين دائنيها في حال تخلفها عن سداد ديونها بالعملات الأجنبية”.

 

وأوضح أن “هذا البند يعني أن الذهب اللبناني خاضع للولاية القضائية الأمريكية، لا سيما أن احتياطات الذهب موزعة بين البنك المركزي اللبناني والبنك الفيدرالي الأمريكي والسويسري”.

 

ووفق المصدر نفسه، فإنه لو تم تعديل النص القانوني في المجلس الذي يمنع المساس باحتياطي الذهب، فهناك عقبات أخرى ستتفاقم، إذ سيرفع الدائنون دعاوى قضائية على لبنان في مختلف دول العالم، وسيكون احتياطي الذهب على رأس الأصول المحجوزة في الخارج.

 

وذكر أن عديداً من دول العالم وضعت ذهبها في الخزائن الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية في مقابل الحصول على المساعدات التي نصت عليها خطة مارشال لإعادة بناء اقتصاداتها المدمرة.

 

وأوضح المصدر للصحيفة البريطانية أنه لا يتوقع أن توافق الولايات المتحدة على قبول طلب لبنان استرداد جزء من احتياطاته لديها، نظراً للعقوبات التي تفرضها على “حزب الله” والقيود الكثيرة التي بدأت تتزايد على القطاع المصرفي اللبناني خوفاً من ولوج الحزب إلى النظام المصرفي الدولي من خلال لبنان.

 

الثروة الوحيدة
وفي قراءته لهذه القضية، يقول المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر: إن “لبنان لا يوجد لديه ما يعول عليه حالياً سواء من احتياطي نقدي أو ثروات طبيعية مثل النفط والغاز والمعادن، خاصة في ظل الأزمة على حقول الغاز مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، لذلك الذهب هو الثروة الوحيدة التي يملكها”.

 

ويضيف أبو قمر لـ”الخليج أونلاين”: “اللبنانيون يعتبرون الذهب من الأشياء المقدسة، خاصة أنه أثمن ما تملكه الدولة، وممنوع الاقتراب منه بالمطلق، حتى إن فتح الموضوع في الوقت الحالي رسمياً يمكن أن يثير عاصفة في البلاد”.

 

ويتابع: “حاكم المصرف المركزي اللبناني رياض سلامة، يواجه تهم فساد وأزمات مع عديد الأطراف اللبنانية، وهو ليس بحاجة إلى أن يدق مثل هذا الباب الذي سيفتح عليه سخطاً كبيراً من اللبنانيين”.

 

وأشار إلى أن التصرف بالذهب بحاجة إلى تشريعات وموافقة من البرلمان، وهو في ظل الأزمة السياسية الحالية لا يمكن أن يتحقق.

 

وأكد أبو قمر أن بيع الذهب لن يحل أزمة لبنان ولكنه ربما يرحلها إلى سنوات قادمة، موضحاً: “إذا افترضنا جدلاً أن لبنان نجح في الحصول على ذهبه من الولايات المتحدة وبيعه فإنه بذلك يكون قد حصل على مبلغ مالي كبير”.

 

ويضيف: “سيذهب جزء كبير من هذا المبلغ لسداد ديونه وحل أزمات أساسية ملحة يواجهها حالياً ودعم عملته المحلية، ولكن بعد ذلك بنفاد هذا المخزون المالي سيكون لبنان فقد كل ما يملك، وسيعود إلى أزمته من جديد بعد سنوات قليلة؛ لأنه لم يجد حلاً جذرياً لمشكلته الاقتصادية والسياسية”.

 

وذكر المحلل الاقتصادي أن “لبنان بحاجة إلى حل مشاكل الفساد والتوترات السياسية وضعف هيكله الاقتصادي وفقدانه للاستثمارات، وإلا فإنه سيبقى يواجه أزماته دون أن يجد لها حلاً جذرياً”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.