لمَ لم تتم الدعوة بعد الى طاولة الحوار؟

لن يتوقف النقاش الدائر حول الظروف والمعطيات التي دفعت برئيس الجمهورية ميشال عون بتأجيل الدعوة الى طاولة الحوار الى ما شاء الله، ولذلك “ستنبت” كل يوم قراءة جديدة قياسا على حجم المعطيات والمعلومات التي يمكن ان تعيد القراءة اللازمة والموضوعية لـ “اللاقرار” – تيمنا بما انتهى اليه المجلس الدستوري بشأن الطعن بقانون الانتخاب عندما كان الخلاف بين اهل البيت الواحد- الذي تم التوصل إليه وما يمكن ان يؤدي اليه واجراء عملية “توزيع الأرباح والخسائر” على مختلف الأطراف بما يسمح بتحديد “المستفيد الأول” من القرار وباقي المستفيدين والمتضررين منه.

على هذه الخلفيات تحدثت مراجع سياسية واسعة الإطلاع لـ”المركزية”، فأجرت قراءة جديدة لهذه المعطيات فتوصلت إلى مجموعة من الملاحظات التي تلقي الضوء على ما رافق الاستشارات النيابية التي اجراها رئيس الجمهورية والتي سبقت موقفه من تجميد الدعوة والنتائج المترتبة عليها. فتوقفت عند الآتي منها:

– لم يكن في الأفق ما يوحي ان الدعوة جدية. فإن من وجهها يدرك سلفا مجموعة المواقف المفروزة منه شخصيا قبل البحث في بنود جدول الاعمال وان الحديث فيها لن يؤتي ثماره. فالخلافات بين اهل البيت حول “خطة التعافي” التي لم يتفق اهل السلطة بعد على ابرز بنودها المتمثلة بكيفية توزيع الخسائر لا تسمج بدعوة الباقين الى مناقشتها.

– إن موازين القوى القائمة منذ فترة طويلة لن تسمح بالتفاهم على “الاستراتيجية الدفاعية” التي فرضتها المعادلات المتحكمة بالحكم وان اعادة النظر بما هو قائم ليس عملية سهلة. وهي ثابتة لا يمكن تغييرها بسهولة في ظل المواجهات الاقليمية وما فرضته من ستاتيكو داخلي هدد وما زال كل مقومات الدولة ومؤسساتها وعطل مجلس الوزراء ومعه القضاء وجعل باقي المؤسسات في مهب الريح والشلل.

– المواجهة التي سعرها رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل مع “الثنائي الشيعي” ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي في نهاية الإستشارات النيابية وعشية “خميس الغضب” دفعت الى التريث في تحديد موعد طاولة الحوار بعدما عززت باحتمال تفجير العلاقة بين مؤيدي الدعوة إليها. ربطا بالرسائل التي اوحى بها اضراب الاتحاد العمالي العام واتحادات النقل في توقيته وهوية الداعين اليه. فهو حمل رسالة واضحة لا تحتاج الى اي “تشفير” من عين التينة باتجاه بعبدا والسرايا وما بينهما الى ميرنا الشالوحي على انها بروفا لأي رد فعل محتمل ان لم تسارع هذه القوى الى ما هو مطلوب منها في القضاء والحكومة والإدارة والمال وربما في الامن ايضا.

– وقبل ان يوجه باسيل رسالته الى من يعنيهم الأمر لم ينسى المراقبون الموقف الذي نقله رئيس كتلة الوفاء للمقاومة الى بعبدا ومضمون التصريح “الحاد” الذي وجهه في اعقاب لقائه من رئيس الجمهورية متحدثا عن هوية وقدرات وصلاحيات “اسياد البلد” ليحرج الحلفاء قبل الخصوم وهو ما أذكى ردات فعل بقي بعضها مكبوتا وخرج بعضها الاخر الى العلن معززا اجواء التحدي التي سبقت الدعوة الى الحوار.

وبعيدا من الحاجة الى الدخول في المزيد من التفاصيل لا بد من الإشارة الى ان هناك مستفيدين ومتضررين مما حصل. وان توسعت عملية البحث في إعداد لائحتهم لا بد من مراقبة ردات الفعل تجاه ما حصل. فالى غياب اي موقف من المعارضة من مصير الدعوة الى الطاولة، فقد تعاطى حلفاء العهد وحلفاء حلفائه مع “اللاقرار” الذي انتهى إليه رئيس الجمهورية بطريقة باهتة ولم يعبروا عن استيائهم المتوقع من تأجيل الدعوة بعدما توسعوا في شرح مدى الحاجة إليها والضرورات الوطنية التي تدفع الى انعقادها. وهو ما كشف انه لم يكن هناك اي حماس لها، ولا اي رهان على نتائج ايجابية. فعبرت العملية بهدوء لافت وكان ما جرى كان مجرد “بروفا” لا تحمل اي اهمية في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.

وبناء على ما تقدم، وبمعزل عن الكثير مما هو محتمل وما هو مستبعد تبقى هناك ثابتة وحيدة انه وبالإضافة الى الضرر المتمادي اللاحق بالدولة ومؤسساتها وبالمواطنين اللبنانيين نتيجة الفشل في تسوية اي مشكلة يعانونها فان العهد في مقدمة المتضررين فيما المستفيدون كثر وسط معادلة تقول ان المستفيد الأول هو “حزب الله” الذي لا يحتمل اي نقاش في الاستراتيجية الدفاعية في مثل الظروف التي تعبرها المنطقة ولبنان، ولكنه في الوقت عينه يطمئن العهد والحلفاء بأنه لا بد من اعطائه الوقت الكافي لترميم العلاقات بين اهل البيت الواحد تمهيدا للصفقة التي يمكن ان تعيد رص الصفوف في “البيت الداخلي” بدءا باعادة “الجمع الانتخابي” بين ميرنا الشالوحي من جهة وعين التينة وبنشعي من جهة أخرى لطمأنة العهد الخائف من الحصار المضروب على رجالاته الاقربين على ابواب الانتخابات النيابية.