نار التدفئة تكوي الفقراء: حطب و”حرامات” لطرد البرد

كتب محمد دهشة في “نداء الوطن”:

فقدت الكثير من العائلات اللبنانية المتعففة قدرتها على تأمين قوت يومها، بعدما سرّح معيلوها من اعمالهم فانضمّوا الى قافلة البطالة، صرفوا ما تبقّى من مدخراتهم واليوم انعدمت قدرتهم الشرائية في تأمين لقمة عيشهم وباتوا غير قادرين على مواجهة برد الشتاء، ومع اشتداد الازمة المعيشية والاقتصادية الخانقة انتقلوا من مرحلة الكماليات بعد الاستغناء عن الضروريات سابقاً، الى مرحلة التقنين بعد التقشف، كسبيل وحيد للصمود والبقاء على قيد الحياة.

جاءت العاصفة الاخيرة مصحوبة بالثلوج والامطار لتكشف عجز هذه العائلات عن التأقلم مع الشتاء الذي يأتي هذا العام قاسياً عليها، حيث لا يجد أكثرهم وسيلة للتدفئة أو يقنّن في استعمالها، فمدفأة الكهرباء غابت عنها الكهرباء، وأحالتها إلى التقاعد نار فواتير اشتراك المولدات الخاصة، ومدفأة الغاز أو صوبيا المازوت تجمدت أمام هول الصدمة في أسعار المحروقات، فيما سخان المياه اطفئ ولم يعد قادراً على القيام بمهمته، فعاد بعضها الى الاسلوب القديم في التدفئة بواسطة الحرامات او اشعال الحطب في تنكة معدنية.

ويقول المهندس خضر زهرة، المشرف في مركز لتعبئة الغاز في صيدا لـ”نداء الوطن”: “ان الاقبال على تعبئة الغاز تراجع بشكل لافت الى نحو 40% خلافاً للعادة في السنوات الماضية مع بدء فصل الشتاء وبرودة الطقس، بسبب انعدام قدرة الناس الشرائية، بالكاد تؤمن لقمة عيشها، اصبحنا نشهد اقبالاً مع الاسبوع الاول من كل شهر فقط، حيث يكون العمال والموظفون قد قبضوا رواتبهم، يقومون بتعبئة قارورة غاز واحدة بدلاً من اثنتين، والتقشف في صرفها للطعام فقط من دون التدفئة او التقنين فيها، وهذه الطريقة تكشف عن مدى الفقر المدقع الذي وصلت اليه الناس في مرحلة الحضيض والانهيار الكبيرين”.

في مدينة صيدا الساحلية قرر الكثير من ابنائها الاستغناء عن التدفئة هذا العام، فارتفاع سعر قارورة الغاز بات يكوي جيوبهم ويحرق اموالهم بعد رفع الدعم الرسمي عنه للمرة الاولى منذ بدء الازمة الاقتصادية. ويقول الحاج ابو توفيق الخطيب لـ”نداء الوطن”: “لقد اجبرتنا الازمة الخانقة على اعادة تصنيف اولويات الحياة، باتت التدفئة من الكماليات بسبب عدم القدرة على تعبئة الغاز او المازوت كما كان الحال في السابق، البعض قرر مواجهة البرد بالعودة الى موقد الحطب لاعداد الطعام حيناً وللتدفئة احياناً، والبعض الآخر اختار التقنين القاسي في استخدام التدفئة عند البرد القارس فقط، والبعض الثالث لم يجد خياراً سوى الاستسلام ورفع الراية البيضاء اذ وجد نفسه يقاتل على كافة جبهات الحياة من دون جدوى”.

والمدينة افضل حالاً من قرى شرقها الى جزين التي تمتاز بالبرد والصقيع، اذ اصبحت تكلفة التدفئة باهظة ولكن لا مناص منها في البيوت ومع وجود اطفال، غير ان الحطب حلّ بديلاً عن مدافئ المازوت، وبات جليس الناس في سهراتهم حيث تتدنى درجات الحرارة ليلاً، وكثيراً ما يلجأ هؤلاء الى جمع ما تكسر من الأغصان بفعل العواصف والرياح أو الناجمة من أعمال القطاف والتشحيل ليستخدموها حطباً على قاعدة الاوفر وليس الاختيار.

ويجمع اصحاب محل لبيع الصوبيا في المنطقة على ان الازمة الاقتصادية بدلت وسائل التدفئة وليس مزاج الناس الذين وجدوا انفسهم مجبرين على اعتماد الصوبيا التي تعمل على الحطب لانها أوفر من تلك التي تشتغل بالغاز والمازوت، بينما يقول جوزيف متري من بلدة الصالحية: “كان يجب على الدولة دعم مادة المازوت لمدة ثلاثة اشهر كي تمكّن الناس من تأمين التدفئة، ولكن لم يعد للانسان قيمة، والامور متروكة على غاربها من دون أي رقيب او حسيب”.