جنبلاط: “قرفان”… وجعجع وباسيل لا يريدان أزعور

يهجس الزعيم «الإشتراكي» وليد جنبلاط اليوم أكثر من أي وقت مضى بتمرير عملية التوريث الشرعية لنجله تيمور في واحدة من أدق المراحل على بيئته وحزبه كما على البلاد. لا يريد الرجل استعادة زمن تسلّمه الزعامة عن أبيه الراحل كمال قبل 46 عاماً. دقة الظروف اليوم لا تشابه تلك بالغة الخطورة التي أُسقط فيها وليد جنبلاط على رئاسة الطائفة الدرزية في عملية دراماتيكية أُجبر عليها مع اغتيال جنبلاط الأب العام 1977.

ورغم عدم الاستعداد النفسي والمعنوي للوراثة حينها، إلّا ان وليد جنبلاط تصدّى للدور وللمرحلة في خضم حرب أهلية وفتنة طائفية وسط مواجهة لمعسكر بدا أقوى منه حينها مع دخول الجيش السوري الى لبنان قبل اغتيال والده بعام محدثاً انقلاباً جذرياً في موازين القوى التي كانت تميل لتكريس حلم الأب القديم بالحكم.
من هذه الناحية تبدو الظروف اليوم أكثر ملاءمة لنجل وليد جنبلاط، تيمور، لكن الأخير هو الآخر لم يكن مستعداً ولا حتى راغباً بالتسلّم وهو قاوم تلك الرغبة كثيرا قبل الخضوع لإرادة الأب.. وللقدر بالتسلّم.
شيئا فشيئا تمرّس تيمور وتلبّس الدور حتى بدا متشدداً وعصيّاً على الوالد في خيارات تفرضها المتغيّرات وأهمها الأزمة الاقتصادية الكبرى في البلاد، الأكبر منذ المجاعة الكبرى قبل نيّف من نشوء الكيان اللبناني.

لكن الأهم لتيمور محاكاة ما فرضته انتفاضة 17 تشرين من تغييرات أهمها نبض الشباب بالتغيير والذي للمناسبة كان ثار على جنبلاط الأب في جملة ما ثار عليه من زعامات تقليدية.

وإذا كانت الجنبلاطية احتوت تلك الثورة، إلّا أن تيمور بدا بالغ الوعي لمتطلبات المرحلة كما بدا وكأن خياراته هي التي تسري في ما يتعلق بالقضايا الكبرى وعلى رأسها اليوم خيار رئاسة الجمهورية.
حُكي الكثير عن تمرّد تيمور وصعوبة مزاجه تجاه الأب، وتردد تهديده بهجرة الأب والعائلة في حال المضي في خيار سليمان فرنجية الذي لا يعني سوى تكريس منظومة الحكم التي ثار عليها كثير من اللبنانيين وما زالت أكثرية صامتة ترفضها وتحتقر أركاناً فيها..
لا يقتصر الأمر على ذلك، بل ان خيار فرنجية في حال نجاحه يعني هزيمة كل المفاهيم التي يجهد تيمور لضخ الشرايين الشبابية في الطائفة بها، مثلما ان رفض الفتنة الدرزية المسيحية التي كانت وبالاً على الطائفيتين، يمثل الخيار الوحيد، وليس فقط الأصح، للبناء داخلياً، بيئياً وحزبياً، ورسم مستقبل تعايشي أمثل مع المسيحيين الذين اجتمعت غالبيتهم الكبرى على «رفض ممثل المنظومة والثنائي وصديق (الرئيس السوري) بشار الأسد..».

بمحاكاته لهذا النبض، يبدو تيمور متماهياً مع الشباب الدرزي التوّاق للتغيير والذي ما زال جزء واسع منه يحتفظ بميوله الآذارية المناهضة لـ«حزب الله» ولو صمت ولم يعبر عن مكنوناته.
ثمة في الطائفة من يشير إلى انه من شدة خصومة الشباب «الإشتراكي» لمحور الممانعة، بات زعيم «القوات اللبنانية» سمير جعجع مرشحه الأكثر رمزية لرئاسة الجمهورية!

إلى هذا الحد يبلغ الرفض الدرزي لواقع حال البلد «المهيمَن عليه من قبل «حزب الله» ومحوره.
هذا ما يفسر انهيار طموحات الآخرين على خضوع وليد جنبلاط واستجابته أخيراً لرغبة رئيس المجلس النيابي نبيه بري بالسير بفرنجية.

ومن يلتقي وليد جنبلاط يسمع كلاماً واضحاً ومتشدداً برفض مرشح الثنائي، الحزب وحركة «أمل»، مع فتح كوة بالموافقة على فرنجية إذا أتت خارجياً لجهة الموافقة الاقليمية السعودية ومعها ضوء أخضر دولي، وهو كلام يأتي ربما لعدم الظهور بمظهر الرافض المتشدد فجنبلاط الأب يعلم تماما أن الرياض غير موافقة على فرنجية وكل ما قيل حول ذلك منذ التسوية السعودية – الإيرانية حول مبادلة يمنية بلبنان، كان سراباً. لكنه يبدو شديد الانتقاد للسياسة الفرنسية تجاه لبنان وسوريا والمنطقة ويتحدث عن تفاصيل السياسة الفرنسية السلبية ومبتغاها المصلحي من المشرق ليعود في حديثه الى زمن الانتداب والأم الحنون التي أنشأت لبنان الكبير ولم تتغيّر ولا تريد أن تتغيّر!

يوافق جنبلاط الأب نجله على الكثير من الخلاصات في الرؤية الداخلية للبيئة الدرزية والخارجية حول الرئاسة، لا سيما في العلاقة مع الموارنة وينقل البعض عنه على سبيل التهكم بأن «صراعهم ما بينتهي.. وجودهم مشكلة وبلاهم مشكلة ومش قادر أطلع منهم».
في هذه اللحظة، يبدو وليد جنبلاط متشائما تجاه أي حل قريب للرئاسة.

«أنا قرفان» يصارح زائريه، فلا ضوء في آخر النفق كما يبدو له. حاول ومعارضي فرنجية تحريك المياه الراكدة عبر تأييد جهاد أزعور في الجلس الرئاسية الأخيرة في تقاطع بين المعارضة و«التيار الوطني الحر»، والنتيجة كشفت بأن قوة المعارضين لا يمكن تجاوزها بالحصول على 59 صوتا وحصول فرنجية على 51 (غمز البعض من قناة كتلة جنبلاط بتوفير بعض الأصوات للأخير لكي لا يكسر الجرّة مع الثنائي، ما ينفيه جنبلاط).

تمرير آمن لتيمور
لكن في كل الأحوال يلفت الرجل الى أن جعجع (لدى جنبلاط الكثير لقوله ضده في المجالس الضيقة) ورئيس التيار جبران باسيل نفسيهما لا يريدان أزعور رئيساً وهما يناوران به كل لمبتغى له، والأمر الهام هنا أن إيصال فرنجية من قبل الثنائي يزداد صعوبة مع الوقت والظروف الموضوعية.
على ان الأهم في هذه اللحظة بالنسبة الى الرجل هو سلك التوريث لتيمور طريقه الآمنة، ولعل انسحاب الأب قبل أسابيع من المشهد دلّ على تسليم بخيارات الإبن المتشددة والذي يتسلم في 25 الشهر الحالي مسؤولية «الحزب التقدمي الإشتراكي» وينتظره الكثير من العمل والدعم في مرحلة ليست بقدر صعوبة تلك التي مرَّ بها الأب، لكنها ستشهد تحوّلات كبرى قد تطلق تأريخاً جديداً في السنوات المقبلة للكيان اللبناني.

عمّار نعمة – اللواء