صرخة صناعية لوضع حدّ للاقتصاد غير الشرعي

طرح اللقاء التشاركي «الصناعة اللبنانية: تحديات وآفاق»، الذي نظمته وزارة الصناعة بالتعاون مع جمعية الصناعيين اللبنانيين في المجلس الاجتماعي الاقتصادي يوم أمس، معضلة الاقتصاد غير الشرعي الذي يستنزف كل القطاعات الاقتصادية في لبنان ومنها الصناعة.

وأجمع أهل القطاع، أي الصناعيون، خلال عرض التحديات التي يواجهونها على أن الحلول للنهوض وتوسيع الفرص أمام قطاعهم الحيوي والمهم بات أقرب الى الاحلام، على حد تعبير نائب رئيس جمعية الصناعيين زياد بكداش. بسبب التقاعس الرسمي (حكومة ومجلس نواب) في التعاطي مع القوانين والاجراءات التي تضبط هذا الاقتصاد غير الشرعي. لكن المفارقة أن الشكوى من هذا التقاعس أتت أيضاً من نواب من المفروض أن يكونوا المحرك الأساسي لتفعيل الإجراءات. ففي مداخلة لعضو كتلة الوفاء والمقاومة النائب أمين شري أثناء الندوة (عضو في لجنة الاقتصاد النيابية)، أكد «أن الخطط لإنقاد البلد من الاقتصاد غير الشرعي موجودة لكن المشكلة في التطبيق، فمجلس النواب أقرّ 75 قانوناً اصلاحياً (منها قانون المنافسة وسلامة الغذاء). ولكن الحكومة الى الآن لم تضع المراسيم التطبيقية لها». وفي اطار الشكوى أيضا دقّ وزير الصناعة جورج بوشيكيان ناقوس الخطر، طالباً «وضع حد للمصانع غير الشرعية التي يفتتحها السوريون وللعمالة السورية غير الشرعية!».

عربيد

‏ رئيس المجلس الاقتصادي الاجتماعي شارل عربيد قال: «لا يوجد إقتصاد لبناني إن لم تكن ‏الصناعة بعافية وتستطيع أن تُظهِر صورة لبنان وكل ما هو فن وذوق و إبداع في منتجاتنا‎»‎، مؤكداً أن «التحديات التي تواجه الصناعة والصناعيين كبيرة»، وأشار الى «أنه تم خلال اللقاء طرح عدة أفكار وستكون هناك مخرجات لهذا اللقاء»، شاكراً» الوزير بوشيكيان ووزارة الصناعة وجمعية الصناعيين التي هي ‏شريك أساسي في المجلس الإقتصادي والاجتماعي والبيئي.‏‎ ‎وأضاف: «لن تستقيم الأمور إلا بعد انتخاب رئيس للجمهورية وعودة العمل الطبيعي في كل ‏مؤسسات الدولة، حتى يتمكن الإقتصاد من التقاط أنفاسه من أجل أن تعود المحركات الإقتصادية إلى الدوران ‏بشكل سليم».‏

وإذ أشار إلى أن «هناك الكثير من الأفكار والسياسات»، رأى ان «العبرة في التنفيذ ونحن على يقين انه مع ‏الوزير بوشيكيان ستسلك الأمور بالشكل الصحيح، لكن المطلوب الوعي السياسي في لبنان. لأننا لا يمكننا أن ‏نستمر في الطلب من الصناعيين والعمال المزيد في وقت لا نلمس فيه من السياسيين الإهتمام بقطاعات أساسية في ‏إقتصادنا كالقطاع الصناعي».‏‎ ‎وختم: «كل الدعم للصناعة في لبنان فلا إقتصاد دون صناعة محصنة «ونحن نحب لبنان ونحب ‏صناعته».‏

الزعنّي

بعدها تحدث رئيس جمعية الصناعيين سليم الزعني مشدداً على أن «تاريخ لبنان صناعي، والصناعيون كانوا ركيزة الاقتصاد اللبناني منذ القرن التاسع عشر. وبعد الانهيار في 2019 أثبت القطاع الصناعي قدرته على الصمود والتأقلم مع الازمة و لم يخسر عمّاله كما حصل في باقي القطاعات». أضاف: «للأسف ليس هناك احاطة بالقطاع رسمياً ما عدا الوزير بوشيكيان الذي كان متفهماً لحاجاتنا. ونحن مستمرون باللحم الحي لكن لا يمكننا سد الثغرات، فالاقتصاد غير الشرعي يشكل أكثر من 60 بالمئة من حجم الاقتصاد اللبناني»، معدداً «عناصر قوة القطاع وهي المرونة والصمود والانتشار الاغترابي الذي يوسّع الاسواق، أما العوائق فهي غياب الخطة الاقتصادية للدولة اللبنانية بل زيادة ضرائب فقط وزيادة أكلاف».

الأسمر

من جهته شدد رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الاسمر في كلمته على «الحوار بين القطاعات الانتاجية والعمال، لأن كل تطور ينعكس ايجاباً على الطرفين»، كاشفاً أنه تتم حالياً «مناقشة كيفية تكوين تعويضات نهاية الخدمة. فالتعاون في هذه المرحلة ضروري لإنصاف الحركة العمالية، وإعادة استنهاض الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وقوننة اليد العاملة السورية وضبط التهريب».

شقير

من جهته اعتبر رئيس الهيئات الاقتصادية الوزير السابق محمد شقير في كلمته أنه «كما في الماضي البعيد والقريب، كذلك في السنوات الخمس الماضية، أثبتت الصناعة الوطنية قدرة فائقة على مختلف المستويات، وأثبتت أنها تشكل ركيزة أساسية للإقتصاد الوطني في الحرب السلم وفي الأوبئة والنكبات وغير ذلك». أضاف: «على هذا الأساس، تبرز الأهمية الكبيرة لوضع خارطة طريق لتنمية الصناعة الوطنية، لمكافأة قطاعٍ حيوي أثبت نجاحاً باهراً، ولترسيخ دوره الإيجابي والفاعل في المعادلة الإقتصادية والإجتماعية والوطنية، ولتحفيز وتشجيع الإستثمار المنتج ولخلق فرص عمل للبنانيين»،آملا «من السلطة أن تعي هذا الأمر، وأن تُغَيِّر نهجها القائم على فرض المزيد من الضرائب لتمويل خزينة مثقوبة، والذهاب الى مكافحة التهريب والمؤسسات غير الشرعية، والى تكبير الإقتصاد عبر تحفيز الإستثمار وتسهيل مزاولة الأعمال وتحقيق الإستقرار والمصالحة مع الخارج».

وأشار الى أن»ست سنوات مرت على إقرار خطة ماكنزي لدعم القطاعات المنتجة، وللأسف بقيت الخطة حبراً على ورق على الرغم من الحاجة الماسة اليها. واليوم ومن هذا المنبر، نطالب وبإلحاح بانتخاب رئيس للجمهورية سريعاً وتشكيل حكومة جديدة لإقرار خطة تعافٍ إقتصادي وللسير بالإصلاحات المنشودة، على أن تكون الرؤية الصناعية إحدى بنودها الأساسية»، مؤكداً أن «الصناعة الوطنية في السنوات الأخيرة، توسعت ونَمَت بشكل كبير واستحوذت على حصة وازنة في السوق اللبنانية، وحافظت على صادراتها ولديها علامات تجارية تغزو العالم وتنافس في أكثر الدول تطلباً، وكل ذلك بقدرات ذاتية» وختم:»تخيلوا كيف يمكن أن تكون عليه الصناعة الوطنية إذا قامت الدولة بواجباتها تجاه هذا القطاع؟».

البستاني

من جهته أشار رئيس لجنة الاقتصاد النيابية النائب فريد البستاني الى أن «اللجنة تدرس حالياً الاتفاقات الدولية بين لبنان ودول العالم تمهيداً لاعادة تقييمها والمطالبة بتطويرها في حال لم تكن في مصلحة لبنان». أضاف: «كلجنة ندرس جدياً وضع رؤية وخطة اقتصادية تكون مرتكزاً لأي بيان وزاري في الحكومة التي ستتشكل بعد انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وسندرس أيضا خطة ماكينزي بهدف تطويرها والانتقال من الاقتصاد الريعي الى الاقتصاد المنتج». وختم: «مشكلتنا اقتصادية ومالية وسنحاول كلجنة التعاون مع مصرف لبنان، لايجاد رؤية مشتركة بما يحفظ حقوق المودعين».

بوشيكيان

بعدها تحدث بوشيكيان فقال: «ان نبض لبنان هو صناعته، هو شعار كبير ويشكل اليوم نقطة محورية. ان ‏الاجتماع الذي حصل اليوم في المجلس الاقتصادي الاجتماعي والبيئي، هو ورشة عمل بدأت بيننا وبين ‏جمعية الصناعيين منذ تسلمنا مهامنا في وزارة الصناعة. أسسنا لشراكة مميزة بين القطاعين العام والخاص، ‏وانطلقنا كي نضع النقاط على مقترحات لمجموعة مشاكل عانى منها القطاع الصناعي خلال ‏‏30 عاماً. ان هدفنا اليوم وتركيزنا على وضع لبنان على الخارطة الصناعية الإقليمية والدولية، وقد قدم القطاع ‏الخاص مجهوداً كبيراً في هذا الاطار»، مشدداً على أنه» اليوم اصبح دورنا كحكومة ومجلس نواب ومسؤولين ان نرى ما هي ‏المحفزات كي نستطيع حماية الركيزة الأولية والأساسية في الاقتصاد اللبناني ألا وهي الصناعة، التي هي ايضاً ‏الامن والاستقلالية والقوة الاقتصادية لمستقبل اولادنا. ان شعار صنع في لبنان سيكون شعارنا في كل المراحل ‏القادمة، وان نحب صناعة بلدنا ونفتخر بها».‏

وختم: «الصناعة اللبنانية تشكل جبهة صمود اقتصادي في وجه العدوان الاسرائيلي والدليل هو افتتاح معمل في بلدة كفرحتا يوم الاربعاء في الجنوب، كوزير صناعة أدق ناقوس الخطر في موضوع النازحين السوريين، يومياً هناك مشاكل لامتناهية تصلنا الى الوزارة. ولذلك أقول يجب وضع حد للمصانع غير الشرعية التي يفتتحها السوريون وتنظيم العمالة السورية غير الشرعية».

الجلسة الاولى في الندوة كانت تحت عنوان «استدامة وفعالية القطاع الصناعي» وعرضت خلالها المدير العامة لوزارة الصناعة شنتال عقل خطة الوزارة لتطوير القطاع الصناعي والتحديات التي تواجه القطاع وأهمها انخفاض القدرة الشرائية للبنانيين بعد الازمة، وهجرة اليد العاملة المتخصصة وعدم اهتمام الشباب بالاختصاصات الصناعية والمهنية وفاتورة الطاقة المرتفعة».

وشددت على أن «هدف الوزارة هو تحسين بيئة العمل وتطوير البنى التحتية ومحاولة تأمين سيولة وفتح أسواق جديدة».

بكداش

الجلسة الثانية كانت بعنوان «الواقع الصناعي وتحدياته وتحدث فيها نائب رئيس جمعية الصناعيين زياد بكداش عن الاقتصاد غير الشرعي وتأثيره على الصناعة الوطنية، فأشار الى أن «الاقتصاد الموازي او غير الشرعي شكّل سنة 2019 نسبة 60 بالمئة من مجمل الاقتصاد اللبناني وذلك حسب احصاءات وزارة المالية. ثم انخفضت النسبة بشكل جذري لتصل الى 15 بالمئة، وذلك بعد تدني قيمة العملة الوطنية واصبحت قيمة الضرائب والرسوم زهيدة».

أضاف: «بداية سنة 2023 اصبحت الضرائب والرسوم تستوفى على اساس سعر صرف موازٍ لسعر صرف الدولار في السوق (أي السعر الحقيقي)، وعادت قيمتها الى ما كانت عليه قبل انهيار العملة الوطنية، وفي الآونة الاخيرة تمت زيادة بعض الضرائب العشوائية ومن دون دراسة حكيمة، مما ادى الى ارتفاع نسبة الاقتصاد الموازي مجدداً حتى تخطت الـ 60 بالمئة».

وعدّد بكداش أشكال الاقتصاد الموازي «اي التهرب من دفع الرسوم والضرائب والقيمة المضافة، والتهرب من تسجيل الموظفين والعمال في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي او تسجيل قسم من معاشهم، ومؤسسات غير شرعية، ومؤسسات شرعية بالشكل وليس بالمضمون اي مسجلة باسم لبنانيين وبادارة اشخاص اجانب، وفواتير استيراد مخفضة لسلع وبضائع تدخل من خلال المعابر الشرعية، واستيراد بضاعة ومواد اولية تدخل من خلال المعابر الشرعية وتسجل باسم وهمي، وخروجها من المرفأ من خلال ما يسمى خطاً عسكرياً أو خطاً مدعوماً، والمعابر غير الشرعية وما أكثرها وهي حكر على بعض الاحزاب والنواب وبغطاء من بعض الامنيين، وغش المواطن عن طريق اعلانات من خلال وسائل التواصل الإجتماعي».

و بعد شرحه تأثير الاقتصاد غير الشرعي، اقترح الحلول أو الاحلام التي يمكن أن تضع حدا له وأبرزها «قرار جامع سياسي وأمني، واقفال المؤسسات غير الشرعية، ومراقبة شديدة من وزارة الداخلية لأداء البلديات من حيث اقفال المؤسسات غير الشرعية وترحيل الأجانب بدون اوراق ثبوتية، وتحسين الجباية، وتطوير عمل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، واغلاق المعابر غير الشرعية، وتطبيق نظام عصري للجمارك كما هو في معظم البلدان مع تطبيق مبدأ مقارنة اسعار الاستيراد مع البلدان الاخرى، وتطهير القطاع العام والبلديات والسلك الامني من الفاسدين، ورفع الغطاء عن كل مواطن لبناني ليكون متساوياً مع الآخر بالحقوق والواجبات، وتطبيق القيمة المضافة على كل المواد الاولية دون استثناء».

نصراوي

كما تحدث نقيب الصناعات الغذائية جورج نصراوي عن تحفيز الصناعة الوطنية فشدد على أن «دور الوزارة في تحفيز الصناعة يكون عبر تفعيل انتاجية الاقتصاد وتحريك النمو من خلال رؤية اقتصادية شاملة تحدد فيها الاولويات في النمو وسبل بلوغ الاهداف، وعدم ارهاق الاقتصاد والصناعة بضرائب ورسوم تحد من النمو والتطور»، داعياً الى وضع «قوانين تحفز الصناعي اللبناني عبر تخفيض كلفة الطاقة، واعادة النظر بالاتفاقيات التجارية لجهة المعاملة بالمثل والعمل على وضع سياسات جمركية تحمي من الاغراق، والعمل على وقف التهريب واغلاق المصانع غير المرخصة التي تقدم منتجات غير مطابقة للمواصفات المحلية والعالمية». اضاف: «دور الصناعيين هو وضع استراتيجيات واضحة، بحيث يعملون على تطوير صناعتهم والاستثمار في تدريب العمالة لديهم والمكننة والتكنولوجيا الحديثة في الانتاج، والعمل على التقيد بأنظمة الجودة والنوعية وتقديم المنتجات المطابقة للمواصفات العالمية».

المصدر – نداء الوطن